"الطيرمانة" غرفة مزاج تعيد لليمنيين التفاؤل

الأربعاء 2014/02/12
تكشف غرفة "الطيرمانة" جمال العمارة اليمنية القديمة

صنعاء- حرص سكان العاصمة اليمنية صنعاء منذ القدم، على تتويج منازلهم القديمة والحديثة بغرف خاصة تسمى “الطيرمانة” أو “غرفة المزاج”، حيث يجعلون منها مقراُ رسميا لـ”النقاهة” والتأمل في سحر صنعاء القديمة التي تتحول، مع غروب شمس كل نهار، إلى ما يشبه لوحة فنية.

وفي حين ينسب مؤرخون تسمية الغرفة بـ”الطيرمانة”، إلى ارتفاع المكان، وهو مصطلح فارسي معناه “طير نام”، أي أماكن الطيور الآمنة، غير الجارحة، والعصافير التي تتخذ منها أعشاشها وأوكارها، فإن آخرين يؤكدون أن هذه التسمية، تطلق على “الإنسان الذي يرتاد أعلى مكان في منزله ليستطيع أن يجول بصره نحو كل شيء تحته، ومن مختلف الجهات للمتعة والتأمل”.

وبخلاف منازل صنعاء القديمة، والتاريخية، يوّفر بعض فنادق صنعاء القديمة، هذا النوع من الغرف، لمرتاديها، لمضغ نبات القات عصر كل يوم، مقابل أسعار تصل إلى ما يعادل 15 دولارا في اليوم.

ويرى عبدالرحمن الجرموزي، وهو من سكان صنعاء القديمة أن صنعاء لا تمتلك أبراجا سياحية يصعد إليها السياح لرؤية المدينة مثل مدن عربية كالقاهرة والكويت والرياض، لكنها تمتلك عشرات الأبراج التي يصعد إليها الناس عصر كل يوم لمشاهدة مدينتهم من مكان مختلف.

وقال الجرموزي: “الروح تحلق بعيداً عندما نبدأ جلستنا في ‘الطيرمانة’، نتأمل بساتين صنعاء القديمة التي تبعث على التفاؤل ونبتسم تلقائيا، هناك نشعر بالانتعاش”.

وخلافاً للمنازل الحديثة التي تتحول إلى ثلاجات بسبب الطقس البارد في الشتاء جراء عدم وجود تدفئة بها، تحافظ “الطيرمانة” على مرتاديها صيفاً وشتاءً بنفس القدر رغم علوها.

تشيد "الطيرمانة" بمادة "الياجور" التي تحافظ على دفء الغرفة في الشتاء

ويقول الجرموزي: “الطيرمانات مشيدة من مادة “الياجور” التي تحافظ على دفء الغرفة في الشتاء القارس وعلى برودتها في الصيف اللاهب..هنا تكمن حنكة العمارة اليمنية وهندستها”.

وتكشف غرفة “الطيرمانة”، جمال العمارة اليمنية القديمة، الأمر الذي جعل منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة “اليونسكو”، تختار في أكتوبر الماضي، مدينة صنعاء القديمة “نموذجا للعمران التاريخي، والهندسي”، في مهرجان المعمار الحضاري الذي أقيم في مدينة براغ التشيكية.

وبخلاف صنعاء القديمة، تتواجد “الطيرمانة”، في مدينة شبام بحضرموت (جنوبي اليمن)، ويُطلق عليها السكان هناك مصطلح “طيارم”.

وتتشابه الأماكن العلوية للمنازل اليمنية في التصميم، لكنها تختلف في المسميات، حيث تُعرف في عدد من المدن الأخرى بـ”المفرج” و”المنظر” و”الشامخة” و”الشذابة”، إلى جانب “الطيرمانة”.

و”تفردت اليمن منذ القدم بالمباني البرجية، في معظم نطاقها الجغرافي، مع اختلاف مواد البناء”، حسب نادية الكوكباني، أستاذة العمارة في جامعة صنعاء والتي أوردت في دراستها مؤخرا عن العمارة اليمنية، أن الإنسان اليمني، احتاج منذ القدم إلى توفير متطلباته المعيشية (سكن، وأماكن خزن الطعام، وتربية المواشي)، والروحية (أماكن تأمل، وعبادة)، في تلك المنازل.

وأشارت إلى أن الباحثين فسروا سبب ارتفاع تلك المنازل، “ليكون الإنسان قريباً من معبوده القمر” في الديانة اليمنية القديمة.

وقالت: “لذلك نجد أن هناك غرفة مميزة، ومخصصة في معظم المباني البرجية، تقع في آخر دور في المبنى، وتتميز باختلافها عن سائر غرف المبنى في الشكل والحجم والارتفاع″.

ويواصل اليمنيون بناء “الطيرمانة”، في المنازل الحديثة، ويحرصون على زخرفتها، وجعلها كـ”برج مراقبة” بجدران زجاجية.

ويؤكد باحثون أن “الطيرمانة”، ليست دخيلة على المباني اليمنية، فالمكان “موجود كجزئية أصيلة في العمارة التقليدية اليمنية”، لكن اختلفت هذه التسمية، وفق بعض المدن، بين (منظر، وطيرمانة، وشذابة، وزهرة، ومفرج). كما اختلفت أيضاً “أحجام هذه الغرف، وتفاصيل فتحاتها، وجهات هذه الفتحات أيضاً”، سواء باتجاه الشمال أو الشرق أو الغرب.

وتشير الكوكباني إلى أنه من ضمن التأثير التركي في العمارة التقليدية لمدينة صنعاء، انتقال “الطيرمانة” إلى الأدوار السفلية بدل العلوية، بحيث تكون إطلالتها، على البركة في الحديقة، وبذلك تحول أيضاً المنظر أو مكان الفرجة من المشاع العام الذي كان مطلا على المدينة بامتدادها واتساعها إلى الخاص في المنزل ومحيطه.

20