الطيور تهجر العراق بحثا عن السلام

أنواع نادرة تنقرض بسبب الإهمال والفوضى، والجفاف والتلوث يهددان الثروة الحيوانية.
الجمعة 2018/09/14
الطيور كائنات تسامح

طردت الحرب والخراب، اللذان عمّا العراق، والظروف البيئية السيئة، الطيور الجميلة وهددت ما تبقى منها بالهلاك والانقراض، ولم تعد الطيور، التي كانت تهاجر إليه تقصده مختارة بلدانا تعيش ظروفا بيئية نظيفة لم تلوثها الحروب بملوثاتها.

تاريخيا كانت تربية الطيور شائعة في العراق، ومربوها الذين يسميهم العراقيون “المطيرجية” كانوا من علية القوم، حتى روي عن آخر خلفاء بني العباس المستعصم بالله أنه كان يجمع أنواعا نادرة من الطيور، التي جلبت له من الأنحاء كلها، وحرص أهل بغداد، منذ مئات السنين، على الحفاظ على أنواع كثيرة من الطيور النادرة وعلى تكاثرها والاعتزاز بها يبتاعونها ويتبادلونها هدايا بينهم.

يقول ماجد حميد، وهو أحد مربي الطيور في الأعظمية لـ”العرب”، “رغم أن الاحتلال الأميركي قد دمر كل شيء فيها، إلا أن المظاهر والموروثات القديمة في بغداد مازالت حية، ومن هذه المظاهر، تربية الطيور في البيوت البغدادية، التي تعكس رقيّ الذوق وترف العيش وحلاوته، وتعدّ عنصرا من عناصر التبغدد”.

 وأشار إلى أن “تربية الطيور في المجتمع البغدادي سمة من سمات الترف، إذ اهتم بها قبل عامة الناس خاصتهم وذوو القدر العالي في الدولة العراقية منذ القدم، إذ عرف البابليون والآشوريون قديما الطير الزاجل واستعملوه كساعي بريد بين أطراف الإمبراطورية المترامية.

تربية الطيور كانت شائعة في العراق
تربية الطيور كانت شائعة في العراق

وفي هذا السياق يؤكد فوزي محمود حسين من مدينة الكاظمية، التي يفصلها نهر دجلة عن الأعظمية، إن ممن اهتم بتربية الطيور في العصر الحديث الوصي على عرش العراق عبدالإله بن علي بن الحسين خال الملك (فيصل الثاني ملك العراق المقتول سنة 1958)، فقد كان يهتم

بنوع خاص أطلق عليه البغداديون اسم “طيور الوصي”، وسعدون شاكر، الذي كان وزير داخلية في زمن الرئيس الراحل صدام حسين والذي أسس جمعية الطيور البغدادية، وكذلك الفنانان محمد القيسي ومطرب المقام العراقي يوسف عمر وآخرون.

ولم تقتصر تربية الطيور على البيوت، بل عمد الكثير من قادة وحدات الجيش العراقي وآمريها إلى تربيتها في المعسكرات، وحتى في جبهات القتال وأوكلوا الاهتمام بها إلى من لديهم خبرة ومعرفة بها من جنودهم.

المسكي والأبرص والرمادي والقرملي والأشعل والأورفلي أنواع نادرة من الطيور البغدادية

لكن الوضع البيئي والحياتي المتردي في العراق تسبب، كما يقول مربي الطيور كريم الخفاجي في انقراض بعض الأنواع النادرة من الطيور البغدادية بسبب هجرة كثير من العائلات والأشخاص المهتمين بالحفاظ عليها، فقد حالت الظروف الصعبة بعد الاحتلال، من قتل وتشريد وخوف وانعدام الأمان، دون الاهتمام بالطيور والحفاظ عليها.

تقول مربية طيور الزينة وصال حميد إبراهيم، “إن تربية طيور الزينة، وخاصة الكناري وطيور الحب بأنواعها الجميلة قلّت قي العراق بسبب الظروف الاقتصادية وصعوبة توفير الطعام”.

وتضيف، “كانت الناس تلتقي سابقا في سوق الغزل، ولكن تعرُّض هذه السوق للتفجيرات الإرهابية ثلاث مرات أبعد الناس عنهاـ وخاصة الطبقة الميسورة التي كانت تهتم بهذه الطيور مما جعلهم يستغنون عن تربيتها”. وأشارت، إلى أنها كانت تمتلك الكثير من طيور الكناري وسلمتها إلى جارتها عندما اضطرت لمغادرة بغداد، ولكن الجارة أخبرتها بعد مدة أن الطيور كلها ماتت دون أن تعرف السبب، مضيفة أن موت هذه الطيور كان بسبب إهمال الجارة وعدم تقديم الطعام الخاص إليها، إذ كانت تطعمها بقايا طعام العائلة لجهلها بتربية الطيور.

ومن أنواع الطيور البغدادية النادرة الأصفر والأحمر والمسكي والأبرص والرمادي والقرملي والأشعل والأورفلي بأنواعه والزاجل بأنواعه العراقي والبابلي والألماني والمصري والإنكليزي، وأنواع أخرى كثيرة تتميز بألوانها وصفاتها، وقد تلاءمت هذه الطيور مع البيئة العراقية وغالبا ما يكون فصل الربيع والصيف موسما لتكاثرها.

البغداديون يحبون الطيور الملونة
البغداديون يحبون الطيور الملونة

ولا تخلو المناطق البغدادية القديمة من أسواق للطيور فهناك في الأعظمية والكاظمية والفضل وباب الشيخ، لكن أشهرها سوق الغزل لقدمها وجودة ما يعرض فيها من الأنواع، كما أن لكل محافظة عراقية أسواقها.

يتحدث البيولوجي أنمار وهبي صبري لـ”العرب” عن جغرافية العراق المتنوعة من المناطق الجبلية إلی السهول والهضاب والمسطحات المائية، هذا التنوع وفر البيئة الملائمة لأنواع مختلفة من الطيور.

ويعلّق قائلا، “إن أيّ تغيير في البيئة المحيطة ينعكس سلبا علی مجاميع الطيور، التي تسكن تلك البيئة، كما أن للإنسان تأثيرا كبيرا علی هذه الأحياء من خلال الصيد الجائر”.

وأشار إلى أن طير الحباري المنتشر في غرب العراق كان قبل الحرب يحافظ عليه بقانون الصيد البري وحمايته، لكن لا توجد في ظل الأوضاع الحالية أي ضوابط للحفاظ علی هذا الطير حاله حال الأسماك، كما أن انعدام استراتيجية الدولة في الحفاظ علی المياه في العراق أدی إلی جفاف الأهوار الجنوبية، التي كانت تشكل حياة واسعة وكبيرة لأنواع الطيور، مما أثر ذلك بنحو سلبي علی مجاميع الطيور المهاجرة، التي تتخذ من الأهوار محطة لها بالإضافة الی الطيور المستقرة فيها.

ويذكر صبري أن متحف التاريخ الطبيعي في بغداد كان يعتني بالطيور ويتابعها ويمنع صيدها، ولكنه في ظل الظروف الحالية وضعف الإمكانيات لم يعد يستطيع النهوض بهذه المهمة. ويحدّد الناشط السياسي جابر رسول الجابري، المقيم في المملكة المتحدة، وهو مهتم بتربية الطيور، وجود أكثر من أربعمئة وأربعة عشر نوعا من الطيور في العراق على مر الزمن، إلا أنّ قسما منها انقرض وجوده مثل طائر الحبارى، أو إنه آيل إلى الانقراض لتدمير بيئته بسبب الحروب، يقول، “إن العراق عانى خلال نصف القرن الماضي من تكرار حروب ونكبات أدّت إلى إتلاف الثروة الحيوانية عموما، وبالأخص الطيور منها وبالتحديد الطيور المهاجرة، التي غيرت بيئة هجرتها غلى مناطق أخرى، وما زاد حروب داعش التي ساهمت في إبادة تلك الثروة من خلال استخدام سلاح تسميم المياه العذبة في مناطق أعالي دجلة والفرات.

20