الظاهرة الإرهابية أعلى مراحل العنف المعولم

تأويليات العنف: محاولة لفهم عودة الهمجية والتوحش إلى قلب الوجود المدني.
الاثنين 2019/12/02
التطرف الديني توأم العنف

العنف ليس ظاهرة جديدة خاصة بالعالم المعاصر، بل هو ظاهرة قديمة قدم العالم الذي نعيش فيه، وهو ظاهرة تمسّنا وتؤثر علينا وتهمّنا جميعا. وقد سعى مفكرون وباحثون إلى مقاربة الموضوع من عدة زوايا. من تلك المحاولات التي بحثت في المسألة كتاب صادر، مؤخرا، عن مؤسسة مؤمنون بلا حدود، بعنوان “تأويليات العنف” لمجموعة من الكتّاب، تحت إشراف الباحث التونسي فتحي إنقزو، والذي حاول من خلال “تأويليات العنف” فهم إشكالية “التطرف الديني”، مركزا على المقاربات الفلسفية لظاهرة العنف ومشتقاتها، كالتعذيب والإرهاب والقسوة والرعب، وذلك بالتقصي حول أصولها في الوعي الإنساني وأعماقه السحيقة، وفي الصراعات بين الأفراد والجماعات، إضافة إلى رصد التجارب القصوى كالحروب والنزاعات، في مصادرها التاريخية وتجلياتها في العالم المعاصر.

ظلّ صوت العنف على مدى التاريخ كلّه الأقوى والأكثر تأثيرا، بل والأكثر دفعا لحركة التاريخ، وما من فترة مرّت بها الإنسانية إلا واقترنت بصوت العنف، بل إن فترات السلام على مدى التاريخ تبدو وكأنها معالجة لما سبّبه العنف أو هدنة مؤقتة لاستئناف عنف جديد أكثر ضراوة وقسوة.

هذا الامتداد والتواصل والطابع المعقّد للظاهرة جعل منها محور اهتمام العديد من الدارسين، حيث سعى الباحثون العرب المساهمون في كتاب “تأويليات العنف” إلى تقديم قراءات عميقة لظاهرة العنف ومشتقاتها، كالتعذيب والإرهاب والقسوة والرعب، بالاشتغال على ثلاثة محاور رئيسية تخصّها وهي، الإرهاب وما يطرحه من تحديات على الإنسانية والنظام السياسي العالمي، والعنف السياسي المباشر على الأفراد والجماعات من جانب أجهزة الدولة، وأخيرا العنف كظاهرة إنسانية يمكن وصفها وتأويلها في تجلياتها المباشرة.

وتدور مجمل المساهمات بشكل أو بآخر حول أحد هذه المحاور، أو على ما بينها من التداخل والتفاعل.

والظاهرة الإرهابية تمثل مجالا مشتركا للتفكير في العنف، من جهة مصادر التطرف التي تغذّى منها تاريخيا، ومن جهة العوامل التي حوّلته إلى قوة كونية قاهرة ساهمت الدولة الحديثة في صنعها وصارت ضحيتها الأولى لتحاول في ما بعد مقاومتها وإيجاد مخارج قانونية لذلك، وأما العنف في شكله السياسي المباشر فتقع معالجته من خلال ممارسة الدولة وأجهزتها لأصناف القهر والتعذيب والتنكيل بالمعارضين.

وقد عمل الباحث التونسي فتحي إنقزو في تقديمه للكتاب الصادر عن مؤسسة مؤمنون بلا حدود إلى تقديم رؤية متكاملة لمقارباته انطلاقا من العنوان “تأويليات العنف”، حيث رأى أنه عنوان عكس السعي الجاد للباحثين إلى الفهم، وطلب المعنى، وتقصّي الدلالة في الوقائع والأشياء، وتفسير ما يمكن تفسيره منها بالأسباب أو بغيرها. وجاء العنوان جامعا لمجمل المطالب السّاعية وراء تدبير عقلي إلى شرح الظاهرة.

ويلفت الباحث التونسي إلى أن الحال قد ينقلب وتتبدل الأدوار بين الضحايا والجلادين، كما نشهد ذلك في عالمنا اليوم، ولعله يكون من نتائج هذا الاصطفاف الحاد والانقسام الذي اخترق الوعي الأوروبي في القرن العشرين، وأفضى إلى مظالم كبرى، بل انتقلت المظلمة إلى شعوب تورطت بغير إرادة منها في هذا النزاع الكبير.

كتاب يعتبر أن اللجوء إلى خيار العنف عامّ عند الفرق والمذاهب الإسلامية لدواعٍ دنيوية قد لا تكون لها صلة بالعقائد وأركانها قدر اتصالها بالمصالح والمغانم وتوزيع السلطة
كتاب يعتبر أن اللجوء إلى خيار العنف عامّ عند الفرق والمذاهب الإسلامية لدواعٍ دنيوية قد لا تكون لها صلة بالعقائد وأركانها قدر اتصالها بالمصالح والمغانم وتوزيع السلطة

وصارت هذه الشعوب تدفع ثمن العنف مقابل لعبة للأمم تتلهى بالموت اليومي للناس ولا تبالي.. وتحوّل العنف مشتركا يوميّا، بل رتيبا إلى حدّ الملل، تتناوله الصحف، ووسائل الإعلام بأنواعها، بل صار نشاطا مربحا للجميع، خاصة تلك الأطراف القائمة به من الجانبين؛ جلادين وضحايا بمقادير ونسب متفاوتة.

وأضحت المجموعات التي تحترف القتال في أصقاع الأرض ولا ترضى بديلا له، تستخدم الآليات الضخمة لإنتاجه وإعادة إنتاجه على مستوى الكوكب، كأننا في حلم أو كابوس مستمر، لتخيّم على رؤوسنا علامات الساعة، ونُذُر الآخرة، ويوشك أن يأتي يوم الحساب.

ويتطرق إنقزو إلى المحاولات والمقاربات التي تؤثّث للملف الذي يحمله الكتاب، مؤكدا أنه لا يمكن أن تكون مقاربة ظاهرة العنف مقتصرة على وجهة نظر بعينها.

وقد تكون المقاربة من جهة الأصول أوْلى بالإشارة في المقام الأول، لما في تقصي المنابع التاريخية والعقدية للعنف من الدلالة والأهمية، حيث نجد البواكير الأولى لهذه الظاهرة مبثوثة في التاريخ الإسلامي الأول من خلال أبرز الفرق التي انتحلت هذا الخط المتشدد في التعامل مع قضايا الدين والدنيا وخاصة “الخوارج”.

وجعلت التطرف مقياسا لها في الحكم على سائر الفرق والمذاهب وهو ما بيّنه “عمادالدين إبراهيم عبدالرازق في مؤلفه: جنيالوجيا التطرف والعنف في الفكر الإسلامي، الخوارج أنموذجا”، والذي اعتبر أن اللجوء إلى خيار العنف عامّ عند الفرق والمذاهب الإسلامية لدواعٍ دنيوية قد لا تكون لها صلة بالعقائد وأركانها قدر اتصالها بالمصالح والمغانم وتوزيع السلطة واقتسام النفوذ.

ولقد تأكد ذلك لدى تتبّع مرتكزات الخطاب الديني بما يقتضيه من مؤسسات اعتقادية وقداسة تقاوم عمل الزمان، ورصد مختلف التجارب والسرديات التأسيسية فوق النقد والمساءلة والمراجعة.

ليبيّن أن هذا الخطاب، بما غلب عليه من التطرف والعنف، إنما يجد منبعه في تجربة الشر التي تستحق تناولا تأويليّا مخصوصا، بوصفه فكّا للرموز والمعاني المزدوجة، وعملا على اللغة قبل كلّ شيء بما فيها من الوسائط.

ها هنا نجد التلازم الدائم بين العنف والمقدس في المتون التأسيسية للديانتين اليهودية والإسلامية، حيث ينشأ السياسي، ورديفه القانوني أو الشرعي، على حافة التماس مع الاقتصاد في العنف وتوزيعه والتحكم في تصريفه.

عنف جذري معمّم
عنف جذري معمّم

ويؤكد إنقزو أن المقاربة القانونية السياسية للإرهاب، تواجهنا بتساؤلات، “كيف يمكن أن نقاوم الإرهاب ديمقراطيّا؟” (أنطوان غارابون)، أليست العلاقة بين الطرفين علاقة عداوة ظاهرة للعيان؟ أليس من مهمات الإرهابيين تحطيم الديمقراطيات وقد استعصت عليهم؟ أليست الديمقراطية نظاما رخوا يسهل اختراقه؟ تلك الأسئلة التي تراود الناس في أيامنا من بعد أن تبيّن لهم أن النزاع في هذا الأمر لا يخرج عن تواطؤ مكين بين الديمقراطية والإرهاب، لا يجرؤ السياسيون على التصريح به، ولا يجد المفكرون له تبريرا معقولا.

ذلك أن الإرهاب يتغذى مما تتقوّى به الديمقراطيات نفسها، أي مما يتقوّم به الفضاء العامّ من رأي عامّ ووسائل إعلام حرّة، ومن مقدار الحرية الذي يتمتع به المواطنون، وتبعا لذلك ما يحتاجون إليه من أمان في حياتهم اليومية.

والإرهاب، بوصفه شكلا من العنف الجذري المعمم، يفرض على الديمقراطيات أن تعيد تعريف نفسها، أي تحديد أعدائها أيضا، وربما إمكان التحالف مع نظم استبدادية لمقاومته ما دام قد وُضع القائمون به في خانة العدوّ المشترك.

إن ما تحرص عليه الديمقراطيات من ترتيب الأدوار والمجالات السياسية والقانونية وتحديد آليات الربط بينها، يعمل الإرهاب على تخريبه بيسر شديد، فلا فرق حينها بين الداخل والخارج، وبين الخاص والعام، وبين المركز والهامش… بل نراه يعمد إلى فسخ الصلة بين العنصر السياسي والعنصر الترابي أو الإقليمي الذي هو من شروطه الجوهرية.

الإرهابيون في كلّ مكان، وليسوا في مكان بعينه، هم يعملون على تشتيت الأمكنة وإضعاف كيانها المادي. وهم بذلك يدفعون بالخلط بين الديمقراطية والاستبداد إلى حدّه الأقصى.

ويوضّح أن ما تخفيه المشاهد الكبرى من مسرح النزاعات بين الأمم والشعوب، وبين الدول والأفراد، وما تنساه السرديات المشتركة الكبرى، هو كيان الأفراد ومصائرهم إزاء آلة العنف الجهنمية، ولاسيما تلك التي تديرها الدولة وتشرف عليها، وتتفنّن في تصنيعها وتصريفها.

ويتناول ماهر عبدالمحسن في خاتمة الكتاب “ذهنية التعذيب” من حيث هي حالة نموذجيّة تكاد تكون مخبرية لمعاناة الإنسان في هذه التجربة القصوى مستخدما العبارة الشهيرة لكارل ياسبرز “فينومينولوجيا الألم”، معتبرا أن التعذيب في دلالاته اللغوية المعجمية، وفي مصادره التاريخية المتعددة، وفي المعالجات القانونية التي خضع لها، هو تجربة لا قبَل لأي امرئ بتجريبه أصلا.

13