الظاهرة الجهادية جسم غريب في النسيج المجتمعي السوري

الانتقال من الإسلام الشامي الصوفي إلى إنتاج سيل من الفصائل الجهادية والتأسلم المتشدد، ساهم في انتشار حواضن للأفكار الجهادية الإسلامية بشقيها السني والشيعي.
الأربعاء 2018/08/29
بهجة الإسلام الصوفي في دمشق

تغيرات مفصلية واجهتها الظاهرة الجهادية الإسلامية في سوريا، فمنذ تقلص دور الإخوان المسلمين، بعد أحداث حماة 1982، وفشل البذرة الجهادية المتمثلة بـ”الطليعة المقاتلة”، تحولت الغلبة للتيار الإسلامي السياسي المهادن للسلطة والذي اتسم بتكوينه الصوفي، وتم تقييد المشهد الديني الشعبي لتحريم أي تأويل للإسلام قد يُشكل تهديدا للسلطة، لكن هذا التقييد وما رافقه من تلاعب بأوراق الدين، انعكسا سلبا على المجتمع السوري ككل وعلى الإسلام الشعبي المعتدل الأكثر ميلا للابتعاد عن السياسة والتقرب من الطروحات الإسلامية “اللاعنفية” ودعاتها كالشيخ جودت سعيد ومدرسته “سلفيّة اللاعنف” وطروحات الفقه الصوفي.

ورغم ما اتسمت به سوريا كبلد متنوع الطوائف التي تتعايش فيه بروح التسامح، لكنها لم تكن بعيدة عن التأثر والانجذاب للفكر الجهادي محصورا بقتال الغزاة والمحتلين، الذي أحيته التجارب المتنوعة لـحركتي حماس والجهاد الإسلامي وحزب الله وغيرها، وازداد إغراؤه إثر احتلال العراق، وجرى تعزيزه مع دعوة مفتي سوريا ذي التكوين والتوجه الصوفي، الراحل أحمد كفتارو، في مارس 2003، المسلمين إلى الجهاد والاستشهاد، لتكون البداية الفعلية لتأسيس حواضن جهادية وقوى إسناد وإمداد في البيئات الأكثر تهميشا والملائمة لتجنيد المتطرفين تحت إدارة السلطة السورية وإشرافها.

آليات السيطرة والاحتكار للمجال الديني من قبل النظام السوري ومحاولته ترويض الأفكار الجهادية بما يناسب العقيدة السياسية البعثية في محاربة الغزو والإمبريالية، لم تبق على حالها عقب 2011، فالعنف الذي اتبعة النظام في التصدي للمتظاهرين وحالة الاستقطاب الطائفي والمذهبي بين السنّة والعلويين، وبين السنة والشيعة، أسهما في احتلال الكتائب المتشددة دينيا للصدارة.

وغياب الفاصل بين دعوى “التحرر” من الغزاة ودعوى “الحرية” من الاستبداد السياسي حوّل السلفية الجهادية من تيار هامشي على الساحة الدينية إلى تيار فاعل ومنفعل بالحدث ازداد حضوره في الميدان السوري مع التدخل المباشر للجهادية الشيعية بألوية إيرانية ولبنانية وعراقية وحالة التعبئة والتشجيع على القتال بدعوى حماية المقدسات، والتي استدرجت تدخلا لأطراف إقليمية كثيرة في الصراع واستقطبت جهاديين من الخارج، وساهمت في نشر مفهوم الجهاد وفي توسيع دائرة القبول الشعبي للفكر الجهادي، باعتبار إقامة نظام حكم إسلامي سني يلتزم بتعاليم الإسلام ويتخذه مرجعية لدستور وقوانين الدولة هو طريق الخلاص.

الإسلام السياسي لم ينجب مشروعا إسلاميا متجانسا، إنما جملة فصائل تتصارع في المقدس وعلى المقدس

نجح الإخوان والسلفيون وكل الحركات الإسلامية مع الوقت على مستوى الجغرافيا والعدد والعتاد في توسيع دائرة الإسلام السياسي الحركي كحل وحيد لمحاربة الظلم، وتنوعت فصائل الجهاد على مستوى الخطاب والفكر بشكل ينذر بكارثة، فالإسلام السياسي لم ينجب مشروعا إسلاميا متجانسا، إنما جملة فصائل تتصارع في المقدّس وعلى المقدّس، ولكل منها مشروعها الخاص لسوريا المناقض لأي مشروع آخر، وإن كان تنظيم داعش أشدها خطورة في مغالاته العقائدية وتطرّفه.

 لكنها بجميعها فشلت في بناء خط ديني إسلامي معتدل وموحّد ومقبول محليا وإقليميا ودوليا، ولم تستطع حتى الآن بلورة مشروع مجتمعي حقيقي يقابل حجم الرفض الذي تبديه لكل ما يمت للمشاريع المجتمعية غير الدينية، بل كانت سببا في دورات العنف المتكررة بينها في صراع عبثي على المناطق والأهداف والموارد وعلى الحاضنة الاجتماعية باعتبار أن قوة التنظيمات المسلحة وشرعيتها تكمن في متانة علاقتها بالوسط الذي تعيش فيه والذي تنوعت أساليب السيطرة عليه واستقطابه وتراوحت آلية تعاطيهم مع بيئاتهم الشعبية الحاضنة بين الاندماج معها وإعانتها وبين سوقها بالقهر والإرهاب، إضافة إلى تحول بعض الفصائل كداعش والنصرة وفيلق الرحمن وغيرها نحو الدعم الذاتي وتأسيس المشاريع وتحولها لأرباب عمل يخلقون حاضنة خاضعة مؤقتا نتيجة للأوضاع المعيشية السيئة، ولا يمكن اعتبار ذلك احتضانا حقيقيا للأيديولوجيا السلفية المتشددة ولكنها تقبل بقيام دولة إسلامية أقل تشددا.

الانتقال من الإسلام الشامي الصوفي الذي أصبح حاله كحال باقي الأقليات في بلد متعدد الطوائف والثقافات إلى إنتاج سيل من الفصائل الجهادية والتأسلم المتشدد، وفّر نمطا مغايرا للتديّن السائد وساهم في انتشار حواضن للأفكار الجهادية الإسلامية بشقيها السني والشيعي، كان لها دورها في إطالة أمد الحرب وفي توسيع مجال التحفيز المذهبي الحاصل في سوريا.

كما يمكن توظيفها كمحركات تخريب وفوضى قائمة وقادمة، فالاستخدام النفعي لجماعات الإسلام السياسي يجعل من إمكانية إنهائها بالاعتماد على العامل العسكري عملية مستحيلة، وفتح جبهات المعارك التي تزيد حجم الدماء والأحقاد سيجعل ما بعد الحرب في سوريا أخطر من الحرب ذاتها في ظل غياب المعالجات الصحيحة.

13