الظاهرة الداعشية مافيا تخاطب نزعات القتل والانتقام

الخميس 2015/01/15
العنف الذي يمارسه الجهاديون يستقي مبرراته من الفكر التراثي

أصدرت مؤسسة مؤمنون بلا حدود مجلة جديدة بعنوان “ذوات” وكان ملف عددها الأول الظاهرة الداعشية: الأسباب والمخارج. وكتب في هذه الظاهرة عدة باحثين عرب وتناولوها وفقا لمحاكمات الباحث ورؤاه الخاصة ومنهجيته:

الباحث المصري محمد دويك في دراسته “دولة الكفر أم دولة الإسلام”، يناقش الظاهرة باعتبارها مخالفة لتعاليم الدين الإسلامي، أي ينطلق من منهجية المقارنة، وأن القتال جاء “كتشريع للمسلمين ردّا على الاضطهاد والظلم، وردع الطغاة والسفاحين واللصوص، وليس خروج طائش لهدم البلاد و ترويع الناس”.

بينما داعش يستند إلى قراءة خاصة للآيات القرآنية ويُشرّع القتل للمسلمين ولسواهم، وأغلب عناصره لا يعرفون مدلولات الآيات القرآنية، وكثير ممن التحقوا بداعش فلغايات القتل وهم بالأصل منحرفون ومرفوضون مجتمعيا.

داعش هذا يخاطب نزعات “القتل والانتقام وشهوة السلب والسفك، وتغذية كافة الغرائز المنحطة للجزء السفلي من المخ، تماما، مثل تنظيمات المافيا”.

يستطرد الباحث مؤكدا أن مشكلة الإسلام في غياب سلطة تمثل الإسلام، وقد أصبح بإمكان أي شخص أن يؤم الناس.

الباحث المغربي عادل الطاهري، يرى أن داعش صناعة داخلية بالأساس، وأن المزج في نسق تكاملي بين العوامل المادية والفكرية، جدير بتقديم تفسير للخلفيات الثاوية وراءها. ولا يمكن الاكتفاء بالقول إنه ظاهرة سياسية استخباراتية؛ فالنص الديني قرأ في سياق غير سياق النزول وأسبابه، وهو ما سمح لتنظيم داعش أن يستند إليه في فتاويها، سيما وأن ابن تيمية وابن قيم الجوزية ولاحقا سيد قطب يؤمنون لداعش المرجعية الدينية وكل هذا التشدد.

الداعشية ظاهرة مركبة تتطلب عدة عوامل لمواجهتها كالعامل الثقافي والاجتماعي والتربوي والتعليمي والعائلي والإعلامي

أما الباحث التونسي عبداللطيف الحناشي فيذهب نحو منهج وضعي وعلاجي للظاهرة. ويشير إلى أن الداعشية ظاهرة مركبة تتطلب عدة عوامل لمواجهتها كالعامل الثقافي والاجتماعي والتربوي والتعليمي والعائلي والإعلامي، وكذلك العامل الأمني والحسم العسكري، باعتبارها ظاهرة عنفية.

في ردود الباحث المغربي سميرالحمادي على حوار أجري معه ضمن هذا الملف، أكد أن الظاهرة الجهادية تعبير اعتراضي متطرف عن بؤسنا العربي والإسلامي، تعبير صراعي حاد عن حقائق أزمتنا الحضارية الدائمة والضاغطة. وطالما أن هذه الأزمة مستمرة بلا أفق أو حل، بل هي ماضية في التطور والتراكم والانتشار، لا يمكن أن نتصور اختفاء “داعش“ وغيرها من التعبيرات الجهادية المتطرفة.

لذلك، من المهم جدا قراءة ظاهرة داعش، لا كحالة خاصة منفردة ومعزولة، ولكن في سياق صعود الظاهرة“الإسلاموية“، ومنها التيار الجهادي“ ومع ذلك يشكل تنظيم داعش معطى جديدا داخل المدار الجهادي”، حيث اختلف حتى مع تنظيم القاعدة.

ويؤكد أن العنف الذي يمارسه الجهاديون أينما حلوا هو في الأساس يستقي مبرراته من الفكر (التراث)، وهذا يعني أن التصدي له يجب أن يبدأ من هناك. وبالتالي المقاومة الفكرية تستدعي ضرورة تجريد التراث من مدلولاته الرمزية (اللاهوتية)، ونزع مسوغاته، وذلك لحرمانه من الحاضنة الشعبية.

المواد المعروضة أعلاه تقدم نقاشا خصبا لهذه الظاهرة، فهي تتناول الاختلاف العقيدي عن ممارسات داعش، ودور الصراعات الإقليمية والدولية والنظام السوري في خلقها، وتموضع داعش ضمن الإسلام السياسي، وتوضح الأسباب السياسية والاقتصادية والاجتماعية لظهورها، وأن القضاء عليها يتطلب عدة عوامل.

وما غاب عن المعالجات الجادة أعلاه، السهولة في دفع سوريا والعراق ولبنان واليمن نحو ظواهر تشبه بهذا الحد أو ذاك داعش؛ فالحوثية وحزب الله والميليشيات الطائفية الشيعية هي دواعش.

أعتقد أن التخلف التاريخي لمستويات البنية الاجتماعية هو السبب وهو ما يتطلب العمل عليه والبحث في كيفية تجاوزه، حتى تستطيع هذه المجتمعات إحداث خطوة تاريخية نحو الأمام، وإلغاء إمكانية عودة داعش وأخواتها؛ أي أنه دون تطور صناعي متقدم ونظام علماني ديمقراطي وقانون مدني، و حل المشكلات العميقة، لا يمكن إيجاد حلول حقيقية لهكذا تنظيمات بل وحتى للإخوان المسلمين.

7