الظروف مواتية لضرب سد النهضة

الخميس 2016/12/29
الحرب لم تعد صامتة

لندن - لماذا لا تقدم مصر على توجيه ضربة عسكرية لسد النهضة؟ هذا سؤال محير تماما.

هناك تسليم يكاد يكون مطلقا في مصر بأن استهداف السد “مستحيل”. لكن أحدهم لم يقل أبدا لماذا؟

نعم صار من المسلمات أن سد النهضة يمثل حاجة قصوى بالنسبة إلى إثيوبيا من أجل توليد الكهرباء. الموقع الجغرافي لهذا البلد الكبير بالقرب من منابع النيل جعله فعلا مغبون الحق. يدرك الصغير قبل الكبير اليوم أن إثيوبيا في حاجة إلى تنمية متسارعة تستوعب عدد السكان الذي اقترب من 100 مليون نسمة.

ظل البلد لعقود طويلة محروما من الاستفادة من المنفذ المائي الوحيد الذي في متناول يده وهو نهر النيل. هذا حق في إثيوبيا لا يمكن لأحد أن يتجاهله.

لكن، منذ متى تؤخذ الحقوق بليّ الذراع؟ ليس مطلوبا من مصر التنازل عن متر مكعب واحد من حصتها التاريخية في مياه النيل (55.5 مليار متر مكعب كل عام) من أجل مشاركة الآخرين في خططهم التنموية. إذا كان سد النهضة مصدرا للطاقة في إثيوبيا، فهو مصدر لاستمرار الحياة كلها في مصر.

منذ توقيع اتفاقية تقسيم مياه النيل عام 1959 (المكملة لاتفاقية 1929) لم يكن رؤساء مصر المتعاقبون مستعدين لتهديد إثيوبيا أو استعدائها دون أن تكون النية حاضرة فعلا لتنفيذ تهديداتهم وتحمّل كلفتها.

خطاب جمال عبدالناصر الموجه عام 1953 إلى الإمبراطور هايله سيلاسي كان حاسما. وقتها كانت إثيوبيا قد بدأت بالفعل في بناء سد “تيس أباي”.

جاء في الخطاب “نظرا لحقوق مصر التاريخية ومواد الاتفاقيات بشأن النيل العظيم نطالبكم بوقف جميع الأعمال فورا على مجرى النهر الذي يجري في دماء المصريين ويعتبر تهديده هجوما على حياتهم، مما سيستدعي تحركا مصريا غير مسبوق”.

كانت مصر وقتها منشغلة بمعركة التحرير وجلاء بريطانيا عن الأراضي المصرية. طوال الوقت لم تدّخر إثيوبيا أي جهد لاستغلال فرص الضعف والتراجع المصريين من أجل المضي قدما في بناء السد. أدرك عبدالناصر ذلك مبكرا، ومن بعده أنور السادات الذي كان عليه مواجهة إثيوبيا، بينما كان غارقا في مفاوضاته الحاسمة مع إسرائيل.

في عام 1979، وجه السادات خطابا لرئيس إثيوبيا مانجستو هيلاماريام. وحذّر من بناء أي سد على مجرى النيل قائلا “إن الأمن القومي المصري ليس لعبة في يد إثيوبيا”، وتبع ذلك تهديد بشن حرب عليها إذا ما استمرت في بناء السد.

في العام 2008 فعل حسني مبارك الشيء نفسه. وهدّد رئيس الوزراء الإثيوبي ميلس زيناوي بتوجيه ضربة جوية للسد.

لم تكن الظروف الدولية في صعودها وهبوطها مؤشرا متغيرا على مدى تقدم أو تراجع التأثير الوجودي للسد على مصر. إذا كانت مصر لا تلجأ إلى تلال السلاح المتراكمة في خنادقها من أجل الدفاع عن أمنها المائي الذي يشكل تاريخيا شريان حياتها، فمتى تستعملها؟

لم تعد القوة في القدرات السياسية والعسكرية والاقتصادية للدولة التي تدافع عن حقوقها المشروعة. هذا مفهوم كان يصلح للتقييم الاستراتيجي والعسكري أيام الحرب الباردة. اليوم تقاس القوة بفداحة الثمن الذي ستدفعه الدول لو لم تلجأ إلى القوة.

لم يعد قياس الردع الاستراتيجي قائما على ما تمتلكه الدول من أسلحة طالما أنها لن تبرح مخازنها. العالم لا يحترم المبالغين في الخجل والمزايدين على التمسك بالقانون الدولي.

مصر تشبه اليوم الأستاذ الجامعي الذي يسير وسط غابة تعج بالوحوش. لن يستطيع هذا الأكاديمي المحترم والعاقل التعايش مع هذه البيئة لو لم يعمل وفقا لقوانينها.

طبيعي أن تحافظ مصر على التزامها بالشرعية الدولية وقرارات الأمم المتحدة والاتفاقيات الدولية. بناء سد النهضة في حد ذاته مخالفة لهذه الاتفاقيات.

لم تعد القوة في القدرات السياسية والعسكرية والاقتصادية للدولة التي تدافع عن حقوقها المشروعة. اليوم تقاس القوة بفداحة الثمن الذي ستدفعه الدول لو لم تلجأ إلى القوة

اللعب بالثلاث ورقات

مفهوم أن مصر عاشت لحظات ضعف غير مسبوقة منذ قيام ثورة يناير 2011 استغلتها إثيوبيا باقتدار للهرولة نحو بناء السد.

نحن أمام دولة تلعب بالثلاث ورقات. منذ اللحظة الأولى التي احتدم فيها الخلاف اتخذت العلاقات بين الجانبين شكل الممطالة ثم مفاوضات ثم تحكيم ثم دبلوماسية ثم لقاءات.. إلى ما لا نهاية. لماذا تتوقع مصر الآن أن تحصل على شيء؟ وقت الثورة كادت مصر أن تكون دولة مقعدة على كرسي متحرك، خصوصا بعد الإطاحة بنظام الإخوان المسلمين. كانت مصر تحت حصار دولي محكم. اليوم الحال مختلفة تماما.

البلد أمام انفراجة هائلة أخيرا. العلاقات المصرية مع الغرب آخذة في التحسن. ومواقف الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترامب تبدو في تماه مع مواقف الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، حتى من قبل أن يتولى مهامه رسميا.

كثيرون يتخذون من الأزمة الاقتصادية الطاحنة التي تمر بها مصر ذريعة للتردد عند أي ذكر لاستهداف سد النهضة عسكريا. صحيح أن التحديات الاقتصادية التي يواجهها النظام المصري أثرت كثيرا على شعبيته.

لكن توحيد المصريين خلف الحكومة الحالية في مواجهة عدو خارجي، هو الطريق الأقصر لاستعادة جزء كبير من هذه الشعبية مرة أخرى.

كل مصري الآن صار مدركا لحجم الفشل الذي وقعت فيه الحكومة خلال المفاوضات. إذا كانت السياسة الخارجية للنظام الحالي قد وصلت أخيرا إلى مرحلة النضج، فإن ملف سد النهضة سيظل نقطة سوداء في وجدان المصريين عن هذه الحقبة.

في ذهن كل مصري، جميع الملفات الأخرى من ليبيا إلى سوريا إلى اليمن إلى الخليج في كفة، وقضية سد النهضة في كفة أخرى.

إذا كان رد فعل السيسي السريع قد نجح في توحيد المصريين خلفه العام الماضي مباشرة بعيد ذبح 21 مصريا على يد تنظيم داعش في ليبيا، فإن إنهاء وجود سد النهضة سيكون له وقع السحر على شعبية الرجل الذي يفصله عن الانتخابات المقبلة أقل من عام ونصف العام.

هل مصر جاهزة لدفع كلفة تحلية المياه أو استخراج المياه الجوفية من باطن الأرض لأجيال قادمة فقط لأنها لا تريد المغامرة من أجل انتزاع حقها المشروع؟

العمل العسكري ضد سد النهضة قادم لا محالة. إن لم يكن اليوم فسيكون حتما خلال عقود قادمة.. ضربة خاطفة نخشى من تبعاتها اليوم أفضل كثيرا من حرب شاملة يذهب ضحيتها الآلاف في المستقبل

مغامرة ضرورية

نظرية الخوف من العالم والإيمان بأنه يعكف ليل نهار على رسم المؤامرات ضد مصر ستتسبب مع الوقت في ضمور أذرع هذا البلد الذي كان يهيمن كليا على الشرق الأوسط ذات يوم. لا يحتاج الأمر إلى شن حرب شاملة. الحكاية كلها لن تتعدى ضربة جوية مركزة على مواقع السد تعيده سنوات طويلة إلى الوراء. هذا الحل مازال ممكنا قبل أن تبدأ مرحلة تخزين المياه خلف السد.

رد فعل العالم سيكون أدنى كثيرا مما يتوقع المتشائمون. الولايات المتحدة تمر بمرحلة انتقالية يهيمن عليها خمول وتناقضات مفهومة. أعتى السياسيين الأميركيين تطرفا لا يريد أن يبدأ عهدة رئاسته بعدائه لأكبر دولة عربية تدافع عن حقوقها التاريخية.

رغم الأدوار التي تؤديها إثيوبيا في ضبط منطقة القرن الأفريقي ومحاربة الإرهاب في الصومال والتوسط في نزاعات جنوب السودان، لا تزال مصر أكبر وأهم كثيرا بالنسبة إلى الولايات المتحدة.

الخمول في أميركا يصاحبه هلع في أوروبا. الاتحاد الأوروبي لم يفق بعد من صدمة خروج بريطانيا، وفيضان اللاجئين الكاسح وعمليات إرهابية لا تتوقف. همّ أوروبا الأول صار إقناع الولايات المتحدة وروسيا بغلق الجحيم السوري الذي تدفع هي كلفته كاملة. عزز هذا كله من نفوذ روسيا في منطقة الشرق الأوسط.

العلاقات المصرية الروسية تبدو في أعمق لحظاتها منذ حرب أكتوبر 1973. مواقف مصر تجاه سوريا لا تتعارض كثيرا مع استراتيجية روسيا هناك. العلاقات العسكرية والاقتصادية تشهد تناميا، ومشاريع الطاقة المشتركة، خصوصا في حقول الغاز المصرية في المتوسط، مصالح لا يمكن تجاهلها في البلدين.

حتى بعض الدول العربية التي تفرق بينها وبين مصر اختلافات الآن ستكون في مقدمة الدول الداعمة لها. العلاقات المصرية العربية تاريخيا أكثر تشابكا مما يبدو ظاهرا اليوم، ونقاط الاتفاق أعمق كثيرا من لحظات الخلاف العابرة. لا تحتاج مصر إلى مساندة عسكرية من أي طرف. الأمر كله يتمحور حول المساندة السياسية على المسرح العالمي.

العمل العسكري ضد سد النهضة قادم لا محالة. إن لم يكن اليوم فسيكون حتما خلال عقود قادمة. إذا أفلتت إثيوبيا بفعلتها ونجحت في إكمال بناء هذا السد، فستكون قد أسست لسابقة جديدة، وسيكون على مصر خلال العشرة أعوام القادمة أن تتعامل مع عشرة سدود.

ترحيل المشكلة إلى أجيال لاحقة ليس حلا. ضربة خاطفة نخشى من تبعاتها اليوم أفضل كثيرا من حرب شاملة يذهب ضحيتها الآلاف في المستقبل.

كاتب مصري مقيم في لندن

7