الظلاميون يوقفون عقارب ساعة كنيسة اللاتين في الموصل

تنظيم داعش يؤكد في كل هجماته الشرسة على المعالم الأثرية، سواء في العراق أو سوريا أو ليبيا، أنه عدو الحياة والحضارة، عدو ما أنجزته الإنسانية عبر تاريخ طويل يمتد إلى الآلاف من السنين، لكن هل ينجح الدواعش في محو معالم الإنسانية؟
الاثنين 2016/05/02
تسامح وتواصل

ليس في الأمر ما يدعو إلى الاستغراب عندما فجر تنظيم دولة الخلافة كنيسة اللاتين أو (كنيسة الساعة) كما تعرف في الأوساط العامة بمدينة الموصل، وما مِن جديد في هذا الحدث طالما أن التنظيم المذكور سبق له أن ارتكب العشرات من الجرائم ضد صروح تاريخية ودينية تخص جميع الأديان سواء في مدينة الموصل أو في غيرها من المدن التي سيطر عليها.

تنظيم دولة الخلافة لم يخف في خطابه نيّته وعزمه الذين لا تراجع عنهما في تدمير أيّ أثر يظهر على سطح الأرض يتقاطع مع منهجه، ابتداء من المساجد والجوامع التي تضم في مبانيها قبورا وأضرحة ومراقد أولياء صالحين أو أنبياء، وهذا ما جرى فعلا في الموصل، فقد سوّيت جميعها مع الأرض وأمست أثرا بعد عين، مثل قبر المؤرخ ابن الأثير ومرقد يحيى بن القاسم والنبي دانيال والنبي جرجيس والخضر والنبي شيت والنبي يونس، هذا إضافة إلى تدمير الآثار التاريخية لمدينة الحضر والآثار الآشورية.

تنظيم داعش الذي يستهين بالحياة الإنسانية إلى أقصى درجات الاستهانة ويتفنن في إهانتها وإذلالها، من الطبيعي ألّا يكون لديه أي تقدير لأي موروث حضاري، فإذا كان قد أزال كافة النقوش النباتية والزخارف الموجودة على جدران المساجد في الموصل، فهل سيمتنع عن تدمير أثر ديني مسيحي مثل كنيسة اللاتين؟

تنظيم داعش لا يعنيه مطلقا أن تكون هذه الكنيسة التي أسسها الآباء الدومنيكان في 9 أبريل 1866 وساهمت في نشر الوعي الثقافي بمدينة الموصل، وأنها كانت المكان الذي انطلقت منه أول خطوة في مسيرة المسرح بالعراق عام 1880، إضافة إلى أن رجال هذه الكنيسة (الآباء الدومنيكان) كانوا رواد الترجمة في العراق فنقلوا من اللغات الفرنسية والإيطالية والإنكليزية إلى اللغة العربية العشرات من المؤلفات في ميادين الفكر واللغة والمعرفة، كان لها أثر كبير على نمو الوعي القومي في مدينة الموصل. ومن خلال المطبعة التي كانوا قد جلبوها عام 1857 أصدروا أوّل مجلة عراقية باللغة العربية حملت عنوان “إكليل الورد” عام 1902، وهم أوّل من أدخل آلة التصوير الفوتوغرافي والكرامفون وآلة العرض السينمائي إلى العراق، ولهم الشرف في أن يكونوا أول من بنى مستوصفا تابعا لمبنى الكنيسة عام 1874 ساهم في علاج سكان الموصل من المسلمين والمسيحيين خاصة في تلك الأيام حين كانت تجتاح المدينة الأوبئة والأمراض والفيضانات.

بتدمير كنيسة الساعة خسر العراق الآلاف من الوثائق والمجلدات والمخطوطات القديمة والنادرة

أما ساعة الكنيسة الشهيرة فقد تلقاها الآباء الدومنيكان هدية من قبل زوجة الإمبراطور الفرنسي نابليون الثالث، وبسببها شاع اسمها بين العامة بكنيسة الساعة.

الأهم في هذا الموضوع أننا قد خسرنا بتدمير الكنيسة الآلاف من الوثائق والمجلدات والمخطوطات القديمة والنادرة بعد أن كانت محفوظة في مكتبة الكنيسة التي بذل فيها الأب نجيب الدومنيكي، راعي الكنيسة، جهدا جبارا في صيانتها والحفاظ عليها حتى يوم سقوط المدينة في 10 يونيو 2014.

كنيسة اللاتين التي تقع وسط مدينة الموصل القديمة، تعدّ من أجمل وأعرق الكنائس في العراق، حيث كان صرحها المعماري الفخم قائما على 26 عمودا من مادة المرمر الموصلي، وتعلو هذه الأعمدة نقوش وزخارف من عمل نقاشين مسيحيين موصليين اتسموا بمهارة عالية ما كان لأحد أن ينافسهم فيها، وكانت قد خضعت الكنيسة لأكثر من عملية ترميم، أكبرها وأكثرها أهمية جرت في مطلع ثمانينات القرن الماضي وقد استغرقت عدة أعوام، حتى أنها أصبحت مرفقا ثقافيا -إضافة إلى كونها مكانا للصلاة- يتوافد إليها الفنانون والمثقفون بعد أن افتتحت فيها قاعة الساعة لإقامة الندوات والأمسيات الثقافية والمعارض التشكيلية تحت إدارة الفنان الراحل ماهر حربي.

ونتيجة للدور الثقافي للفنان ماهر حربي تعرض إلى عملية اغتيال فاشلة بمسدس كاتم للصوت من قبل تنظيم القاعدة بعد سقوط النظام عام 2003 اضطر على إثرها إلى مغادرة المدينة قبل أن يفارق الحياة في 3 مارس 2015.

بتفجير كنيسة الساعة تكون عقارب الزمن في مدينة الموصل قد توقفت إلى إشعار آخر، وإلى أن تستعيد حياتها من جديد نكون قد خسرنا واحدا من أهم الكنوز الدينية والأثرية التي تحمل جدرانها وأروقتها دلالات رمزية تعبّر عن الدور الريادي الكبير لرجال الدين المسيحيين الموصليين في بناء العراق الحديث.

منارة ثقافة وتنوير

ما يدعو إلى الاستغراب حقا أن نجد الجميع قد التزم جانب السكوت على جريمة سيطرة تنظيم داعش على مدينة الموصل لمدة تزيد على العام، والنصف وكأنه أمر طبيعي ومتفق عليه، أو أنه يأتي في السياق العام لسعي السياسة الدولية إلى إجراء تغيير وتعديل في الخارطة الجيوسياسية لمنطقة الشرق الأوسط، بل إن حدث سقوط الموصل يكاد يكون حجر الزاوية في هذا المشروع، وإلّا بماذا نفسر هذا البرود القاتل واللامبالاة سواء من القوى الكبرى أو من قبل الحكومة العراقية في التعامل مع قضية احتلال داعش لعدد من المدن ومنها طبعا مدينة الموصل التي يعدّها التنظيم بمثابة عاصمة خلافته المزعومة.

حتى الآن ما من إشارة جديّة على أن هناك استعدادا حقيقيا لدى جميع الأطراف العراقية والدولية لطرد التنظيم، وهنا يكمن وجه الغرابة في هذا الموضوع وليس في عملية التفجير التي ارتكبها التنظيم، وليس في جهله وعدم تقديره لقيمة هذا الصرح بما يرمز إليه من قيم دينية وتاريخية وثقافية، وكأني بذلك أجد الجميع، ساسة العراق والمجتمع الدولي، لا يجدون في هذا الوضع أمرا غريبا وشاذا يستدعي منهم أن يستنفروا كل الجهود العسكرية وبأسرع ما يمكن لتحرير المدينة من هذا الكابوس.

كنا نشعر بالقلق والاستغراب طيلة الفترة الماضية التي سبقت تفجير الكنيسة، أي منذ اليوم الأول لسقوط المدينة تحت سلطة تنظيم داعش وذلك عندما وجدناه يتغاضى عن تفجيرها خلال نفس الوقت الذي أصبحنا فيه نشعر بقلق شديد ونحن نرى حالة اللامبالاة التي عبّر عنها المسؤولون العراقيون والمجتمع الدولي إزاء الحال الذي انتهت إليه مدينة الموصل التي تضمّ بين دروبها وتحت ترابها كنوزا أثرية عظيمة تعود إلى حضارات عريقة شهدتها بلاد ما بين النهرين.

نعم خسرنا كنيسة الساعة، كما خسرنا غيرها من الآثار العظيمة الآشورية والإسلامية والمسيحية التي بناها العراقيون الأوائل، ولم يعد ممكنا في كل الأحوال إعادتها إلى الحياة.

الأهم في هذه المسألة في ما لو بقي الحال على هذه الصورة، وإذا ما استمر ساسة البلاد على هذا الموقف اللامبالي، واستمروا في تكالبهم على المناصب والغنائم، هو أن الوجود الإنساني للعراقيين مهدّد بالفناء.

20