الظلام يعبر سماء تغريد درغوث ويعبّر عن قلقها

"هل يرانا من نراه؟" عندما طرح الفيلسوف الفرنسي والشاعر غاستون باشلار هذا السؤال قصد النجوم الملتمعة في السماء الليلية، وشبهها بعيون تبث نظرتها المنيرة نحونا. من المؤكد أنه في كلماته تلك لم يقصد معاتبة أو إدانة النجوم، بل على العكس قصد التساؤل إن كان حبنا للنجوم المضيئة والذي نترجمه بنظرتنا الدافئة إليها هو حب مشترك قوامه "رؤية" النجوم بدورها لنا ونحن مشغولون بتأملها.
الخميس 2015/10/01
لوحات ترسم استعمارا مبنيا على شبكة لا نهائية من المعلومات

بيروت - قدم الفيلسوف الفرنسي غاستون باشلار في سؤاله "هل يرانا من نراه؟"، النجوم ككائنات حيّة وخارقة لوحشة الظلام، ومؤنسة للإنسان في أشدّ الليالي حلكة. أما "العيون" الصناعية ومتنوعة الأحجام والأشكال التي قدمتها الفنانة اللبنانية تغريد درغوث في صالة "أجيال" البيروتية، فهي نقيض تلك التي تكلم عنها غاستون باشلار، إنها عيون آلات المراقبة المتطورة التي تفترس خصوصية البشر أينما كانوا.

منذ بدايتها كرست تغريد درغوث فنها لإلقاء الضوء على المشاكل الاجتماعية والأزمات السياسية التي يعيشها العالم ولبنان بشكل خاص، منها مسألة الطبقية، والاستغلال وأسلحة الدمار الشامل.

لم تخرج في معرضها الجديد عن هذا الالتزام الفني، بل وسّعت دائرته لتطال أصغر جهاز مراقبة، وأوسع شبكة انتهاك للخصوصية الفردية تملكها دول كبرى. معرضها الحالي وأفكاره المطروحة تستند حسب قول الفنانة إلى كتابات الفيلسوف بول فيريللو. المعرض موزّع على ثلاثة محاور لها عناوين فرعية توضحّ صنف الآلات المرسومة في اللوحات "ستراني بشكل أفضل الآن" و"لا مكان للاختباء" و"آلات الرؤية".

تقدم الفنانة هذه الأجهزة بأسلوب واقعي تتبعه منذ فترة طويلة ويتماشى مع مضمون لوحاتها الملتزم بقضايا حقيقية تؤثر على حياة الفرد. فزائر المعرض سيعيش تجربة كاملة من خلال رؤيته لمجموعة لوحات متجاورة تعرض كل منها جهازا مختلفا عن الآخر، إما في الشكل أو في كيفية عمله، أو حسب مدى فاعليته في المراقبة.

تبدو تغريد درغوث في أعمالها تلك راغبة في أن تشير بأصابع الاتهام إلى الآلات وأصحابها: طيور الظلام السرّيين المتوارين خلف ممتلكاتهم الإلكترونية، والذين تشتد سلطتهم مع مرور الوقت وتطور التكنولوجيا، مع العلم أن النقاب بدأ ينسلخ مؤخرا عن هؤلاء وأهدافهم الاستعمارية الجديدة.

رغبة ملحة تدفع الفنانة إلى توثيق شبه علمي، مع الحرص على عدم نسيان فضح وتعرية أي جهاز من تلك الأجهزة، وكأنها في ذلك مسؤولة “أخلاقيا” أمام البشر أجمعين، لوحات تقول “ها كم ما يغتصب خصوصيتكم، وهذه هي الإستراتيجية التي يتبعونها”.

تنوعت الأجهزة التي صورتها الفنانة من مناطيد في داخلها كاميرات تلتقط الصور، وطائرات من دون طيار مخصصة لالتقاط ما يجري على الأرض دون الاكتراث بما يسمى “سابقا” بالحدود. هذه الحدود التي تهاوت معانيها ورقّت قوانينها حتى التلاشي التام خاصة في القسم الجنوبي من الكرة الأرضية.

منذ بدايتها كرست تغريد درغوث فنها لإلقاء الضوء على المشاكل الاجتماعية والأزمات السياسية التي يعيشها العالم

ما تريد الفنانة التعبير عنه عبر رسمها لمجموعة من الأجهزة المطابقة للأصل الفوتوغرافي، هو إظهارها لشكل جديد من الاستعمار مبني على جمع البيانات والخرائط، ومسح الأراضي ورصد السلوكيات البشرية ومراقبة تبدل عناصر الجغرافيا. إنه استعمار مبنيّ على شبكة لا نهائية من المعلومات، من يحصل عليها أكثر، يملك العالم ويسخّره لاحتياجاته ولاجتياحه الاقتصادي.

ما يميز هذه الأعمال من الناحية الفنية، هو ليس فقط التقنية العالية التي تصور بها الفنانة أجهزة المراقبة، بل الخلفية اللونية للوحات. اللون الأصفر موجود، كذلك اللون الوردي والأزرق والأخضر، لكن الفنانة عمدت إلى دمج هذه الألوان بلون رمادي مختلف الدرجات فباتت الألوان تحيل إلى معاني المرض، والاتساخ، والتلوث بشتى أنواعه.

كما ظهرت في أغلب اللوحات تقطرات لونية تسيل في مواضع معينة من اللوحات، وخاصة على أجهزة المراقبة فكثفت من معنى التلوث واختناق الأفق. إنه لا خلاص من “العين” المراقبة، فالسماء مطلية بلون مريب، لا متنفس هواء يلطّف من ثقل الأجواء.

يخرج الزائر من معرض درغوث، وهو يهمس بما يعجّ في الأعلى من كائنات غير سماوية تراقبه بصمت مقيت قبل أن تسعى إلى امتلاكه، وكأنه شيء من الأشياء التي تحرك، فتؤخذ وترسل إلى حيث تشاء.

أين العالم الحديث من شعرية غاستون باشلار ونجومه الحريصة؟ إنه زمن المفكر بول فيريللو الذي أصاب العقل المبرمج لهذا العالم حين قال “هناك عيون في كل مكان، ولا بقعة خارج مدارها، بماذا نحلم عندما تصبح كل الأشياء مرئية؟ سنحلم بأن نكون مكفوفين”.

م. ع

16