الظلم والاختيار

الثلاثاء 2017/12/05

أحوال المرأة الآن قاربت بلوغ أحوال الرجل. هل هذا أمر طيب؟ الإجابة ليست سهلة كما يبدو. الإجابة صعبة وملتوية. صارت المرأة ترى المعادلة واضحة: كلما انتزعت المرأة لنفسها حقوقا ومكاسب، كلما تراجع التعاطف معها وصارت عرضة لأنواء مؤذية وتعامل عاصف.

في الغرب، الآن، المرأة تعاني وتتعرض للخدش والعنت من الصبح حتى المساء، لكنها راضية.

الحالة المثالية طبعا هي نيل الحقوق والاحتفاظ بشيء من التعاطف الذي لا يأتي إلا بقبول شيء من الحيف. بدأ الحديث يصعب وسيزداد الموقف صعوبة. المشكلة الكبرى في الحياة هي أنه لا يوجد شيء سهل.

سأروي حكاية تشرح الموقف المعقد. كان عندي صديق طبيب جراح من بلد عربي محافظ جدا. جاء إلى إنكلترا وعمل في أحد كبار المستشفيات. الممرضات الإنكليزيات كنّ شغوفات بمعرفة أحوال النساء في بلد صاحبي. يسمعن الكثير عن نقاب المرأة ومنعها من سياقة السيارة، وما إلى ذلك.

وأتت الشجاعة واحدة منهن واقتربت من صاحبي وقالت “ماذا تفعل زوجتك؟” فقال صاحبي “لا شيء تحديدا. تلتقي بصاحباتها ويشربن الشاي معا، ثم يذهبن إلى السوق ويتسوقن ثم الغداء ثم القيلولة”. بدا وكأن غيوما حالمة طفت على عينيّ الإنكليزية وراحت تقارن ما سمعت بيومها الذي يبدأ ببرد الساعة السادسة صباحا ثم الإفطار السريع فالمواصلات والازدحام. دمدمت “هنيئا لها ما أسعدها”.

لكن هذا الحسد لم يكن إلا عابرا وابن لحظة مقارنة بيوم رمادي بارد من أيام نيوكاسل. لو أُتيح لهذه الإنكليزية حياة كحياة تلك المنتمية إلى المجتمع المحافظ لما قبلت، بل ولناضلت من أجل تهشيم تلك الحياة. الفرق بينها وبين تلك المرفهة والمتسوقة أبدا هي أنها اختارت مهنتها وحياتها ولم يفرض عليها أحد شيئا. الإنسان لا يريد أن تفرض عليه حتى الرفاهية والدعة.

الرجل الذي لا يحب الخروج ويفضّل أن يظل حيث هو لا يريد السجن. يريد ألاّ يخرج ولكن باختياره. من يفضل قضاء يومه جالسا لا يعني أنه يقبل أن يكون مقعدا.

كنت في مطلع شبابي أعتقد أنّ الفرق بين ما لدينا وما لدى الإنكليز أو الأميركان بسيط وصغير. كان لدينا في العراق حزب واحد ولدى الإنكليز حزبان: محافظون وعمال، وكذلك لدى الأميركان جمهوريون وديمقراطيون. هذا يعني أنّ الفارق مجرد حزب إضافي، وهذا ليس فرقا شاسعا.

لكنّي كبرت وأدركت أنّ الفرق كبير فعلا. الفرق ليس حزبا واحدا الفرق هو حرية الاختيار. عندهم تختار وعندنا لا تختار.

24