العائدات الإعلانية للصحف الأسوأ منذ ركود 2009

تفاقمت أزمة الصحافة المطبوعة حول العالم مع تقلص عدد القراء وتزايد المصاعب المالية، وبحسب تقرير، فمن المتوقع أن ينخفض الإنفاق العالمي على إعلانات الصحف المطبوعة بمعدل 8.7 في المئة.
الأربعاء 2016/10/26
سيختفون في غضون 30 عاما

لندن – يواجه قطاع الصحف انخفاضا متسارعا في إيرادات الإعلانات المطبوعة، وهي السوق التي كانت ترزح تحت ضغوط كبيرة مؤخرا، ما اضطر بعض الناشرين للنظر في سياسة تخفيض التكاليف وإدخال تغييرات جذرية لمنتجاتهم المطبوعة والرقمية، وفقا لتقرير نشرته صحيفة “وول ستريت جورنال”.

وبحسب التقرير، فمن المتوقع أن ينخفض الإنفاق العالمي على إعلانات الصحف المطبوعة بمعدل 8.7 في المئة، أي ما يوازي 52.6 مليار دولار في العام 2016، وفقا لتقديرات “GroupM” غروب أم، الشركة المتخصصة في شراء الإعلانات، والتي أشارت إلى أن ذلك سيكون أكبر انخفاض منذ الركود الاقتصادي عام 2009، حينما انخفض الإنفاق على نطاق العالم بنسبة 13.7 في المئة.

ورأت أن هذا الانخفاض ستكون له ارتدادات سلبية، ستطال كبار الناشرين حول العالم، مما قد يزيد من عبء الضغوط عليهم من أجل تعزيز الإيرادات الرقمية أو الإسراع للتعويض عن الإيرادات المفقودة، وصولا إلى إعادة النظر في شكل المطبوعات ومحتواها.

ونتيجة لذلك سارعت مجموعة كبيرة من كبريات الصحف إلى تقليص التكاليف بهدف التأقلم مع الواقع الجديد، ومنها “نيويورك تايمز” و”وول ستريت جورنال”، فيما أقدمت كل من “الغارديان” و”دايلي ميل” على تقليص عدد الوظائف وتسريح المئات من الموظفين.

فيسبوك مع غوغل استحوذا على 76 بالمئة من مجموع الإعلانات الرقمية في العام الماضي

وفي رسالة داخلية أرسلها رئيس تحرير “وول ستريت جورنال”، جيرارد بايكر، للموظفين، قال “إننا نعمل في وقت تتغير فيه ظروف السوق بشكل متسارع، خصوصا في عالم الاعلانات المطبوعة”.

وفي ضوء الانكماش الحاد في هذا المجال، أعلنت الصحيفة إعادة تنظيم أقسام نسختها الورقية التي ستتضمن دمجا للأقسام وتخفيضا للتكاليف. وهي خطوة ستساعد الصحيفة في تأمين استدامتها بشكل أطول، إلى جانب تسريع عملية انتقالها إلى المجال الرقمي.

وتقوم الصحيفة في الوقت الحالي بالعمل على استراتيجية تسعى من خلالها لزيادة عائداتها الرقمية بشكل ملحوظ بحلول العام 2020، والتي تتضمن تحويل المزيد من الموارد إلى مبادرات رقمية.

ويقول ميرديث كوبيت ليفين، الرئيس التنفيذي للإيرادات في صحيفة “نيويورك تايمز”، “كان عاما صعبا بالنسبة إلى الصحف، خصوصا في النصف الأول منه”، فالصحف دخلت في سباق مع الزمن من أجل إنماء عائداتها الرقمية للتعويض عن انهيار عائدات الإعلانات المطبوعة، خصوصا بعد هيمنة شركتا فيسبوك وغوغل على السوق الرقمية، مشيرا إلى تراجع اهتمام المسوقين بالصحف الورقية في العقد الأخير، بسبب شيخوخة القراء والحاجة إلى تمويل مبادرات رقمية، بالإضافة إلى الاستخدام المتزايد للبيانات والتحليلات الرقمية في عملية التخطيط لوسائل الإعلام، وصولا إلى اندفاع المعلنين نحو المواد البصرية والفيديوهات على الإنترنت.

نتيجة لذلك، قرر ناشرون التخلي عن الإعلانات منخفضة الإيجار، والتطلع نحو عروض إعلانية مربحة أكثر. ورغم ذلك، تشير الأرقام الراهنة إلى أن عائدات الإعلانات الرقمية لا تنمو بالشكل الكافي لتعويض الانهيار في النسخ المطبوعة، مما سيسبب المزيد من الانعكاسات على وسائل الإعلام المطبوعة، وفقا للصحيفة.

إيريك ألترمان: الصحافة الورقية التقليدية تصارع من أجل التحول الرقمي

وكان تقرير أعدته شركة “ماكينزي” للأبحاث، كشف أن توزيع الصحف الأميركية تراجع بشكل كبير، وهي المؤشرات التي توحي بتلاشي الصحف الورقية خلال ثلاثين عاما. وتساءل التقرير هل هذا التراجع بسبب الركود؟ أم أن معظم جمهور هذه الصحف الحاليين سيموتون تدريجيا على مدى السنوات الـ30 القادمة؟

من جانبه، يقول مركز الأبحاث “بيو سيرش سينتر”، إن عدد قراء الصحف اليومية نزل بنسبة 7 بالمئة في العام الماضي، ولم يقتصر التراجع على قراء النسخ المطبوعة بل شمل متصفحي الإنترنت.

ومن جهتها ترى آمي ميتشيل، مديرة بحوث الصحافة بالمركز في مقابلة مع “هارفارد بوليتيكال ريفيو”، أن “عجز الصحافة التقليدية عن فهم الطريقة التي يستخدم بها الناس الفضاء الرقمي (الإنترنت) وكيفية انتشار المحتوى عبر الشبكة، هما التحدي الأكبر الذي تواجهه الصحافة التقليدية”.

ويرى خبراء الإنترنت أن التطور التكنولوجي الذي يمكّن المعلنين من معرفة المردود المالي بدقة لكل إعلان على الإنترنت، هو السبب وراء عدم قدرة الصحف العريقة على المنافسة في هذا المجال.

وتبين الدراسات أن الصحافة الأميركية خسرت بين عامي 2000 و2007 ما قيمته خمسة مليار دولار فقط في مجال الإعلانات المبوبة، وبسبب “كريغ ليست”، موقع الإعلانات المبوبة المجاني الشهير، لم يعد المعلنون مستعدين لدفع المبالغ الكبيرة التي كانوا يدفعونها في الماضي لكي يصلوا إلى القراء.

ويقول الباحثون إن وسائل التواصل الاجـتماعي ومـواقع الإنترنت جعلت من إمـكانية وصول الشركات المعلنة إلى الـقراء عمـلية سـهلة وأقل تكـلفة من أي وقـت مضى.

ويوضح الكاتب الأميركي إيريك ألترمان أنه في حين كانت الصحافة التقليدية تصارع من أجل التحول الرقمي، ظهرت شركات عملاقة مثل غوغل وفيسبوك واستحوذت على النسبة الأكبر من ميزانية الإعلانات قبل أن تتمكن الصحف اليومية من التقاط أنفاسها والتكيف مع العالم الجديد.

واستحوذ فيسبوك مع غوغل على 76 بالمئة من مجموع الإعلانات الرقمية في العام الماضي.

وألترمان ليس الخبير الوحيد الذي يخشى من تداعيات فقدان الصحافة التقليدية، إذ أن وورين بافيت ثالث أغنى رجل في العالم ويملك العشرات من الصحف اليومية والأسبوعية في الولايات المتحدة، عبّر عن قلقه الشديد من التراجع الخطير في عدد القراء ودخل الإعلانات اللذين تعاني منهما الصحف المطبوعة.

وفي تصريح لصحيفة “يو إس إيه توداي”، يقول بوفت “حتى الآن لم نتمكن من بناء ‘النموذج الاقتصادي’ الذي يكفل استمرار الصحف اليومية”، ويضيف بافيت، الذي مازال يقرأ خمس صحف مطبوعة يوميا، “لن أتخلى أو أبيع أيا من الصحف التي أملكها حتى لو كنت آخر رجل بقي صامدا وواقفا في ساحة الإعلام”. وتشير التقارير إلى أن وورين بافيت، العقل الاقتصادي الأهم في العالم، قام بشراء صحف ودور نشر جديدة.

18