"العائد" سعد الحريري: فن اكتشاف "الأمير"

الأحد 2016/03/13
عودة قد تمثل تحولا في المزاج السعودي إزاء الحريري وإزاء لبنان معا

بيروت -قد لا تشبه عودة الرئيس سعد الحريري إلى بيروت تلك التي يصفها فيلم "العائد" الذي حصد الاوسكارات قبل أيام.

ولكن عشية عودته تقاطرت شخصيات لبنانية إلى الرياض مستطلعة مزاج السياسي الشاب في مسألة إنهاء موسم المنفى والعودة نهائيا إلى ربوع الوطن. والحقيقة أن أسئلة الزائرين لم تكن استطلاعية بقدر ما كانت تحريضية تحثّ الرجل على إشغال موقعه المحوري في قلب السياسة اللبنانية ومن قلب لبنان.

لم تسقط المحاذير الأمنية عن عودة سعد الحريري إلى بيروت، بل إن التوتر الداخلي اللبناني والإقليمي المرتبط بالنزاع السوري وبالمواجهة السعودية الإيرانية لا يشي إلا بارتفاع نسبة الأخطار التي يواجهها الرجل. ومع ذلك فإن البيئةَ السياسية المناصرة للحريري، سواء في الدائرة المباشرة المتّصلة بتيار المستقبل، أو بتلك المرتبطة بتحالف “14 آذار”، كانت تدفع بضرورة عودته، مهما كانت جسامة تلك الأخطار.

كان سعد الحريري يستمع إلى زائريه دون أن يفصح عن نياته حول أمر العودة. البعض اعتبر أن صمت الرجل قد يكون مردّه أسباب أمنية تقتضي غموضا في حال قرر العودة، أو أن الصمت هو نتاج تأمله لما ينقله الحاضرون قبل اتخاذ قرار لم يتخذه بعد. واحد من هؤلاء الزائرين، أتاه من خارج دائرة “المستقبلين” ينصحه في حال قرر عدم العودة أن يخرج ويعلن تخليه عن العمل السياسي.

لم يرد سعد الحريري على تلك النصيحة إلا بالتأمل والصمت، ذلك أن الرجل كان قد اتخذ قراره، منذ مدة، بالعودة إلى لبنان، والعودة إلى ممارسة السياسة بحيوية لا التخلي عنها. وحين أفاق اللبنانيون صبيحة عودة الحريري، كان زعيم المستقبل قد باشر ورشة كبرى لإعادة الروح إلى الحياة السياسية اللبنانية.

عاد سعد الحريري إلى لبنان بعد أسابيع على تصريح النائب محمد رعد، رئيس الكتلة البرلمانية لحزب الله في مجلس النواب اللبناني، الذي يتهكم فيه على من هو “مفلس في المنفى”. رشح من تصريحات رعد تهديد لزعيم تيار المستقبل وقطع لطريق عودته إلى لبنان، فيما مثّلت العودة صبيحة الـ”14 من فبراير” تحديا واضحا يعكس صمود الحريرية السياسية في وجه حزب الله وإمعانها في معارضته رغم مرور 11 عاما على اغتيال الزعيم التاريخي ومؤسس تيار المستقبل الرئيس الراحل رفيق الحريري.

نجل الحريري

ما يزال يطلُّ سعد الحريري على مناصريه وخصومه بصفته نجل رفيق الحريري. تحوّلت الحريرية من مشروع طموح للتنمية والإعمار والازدهار أيام الحريري الأب، إلى مشروع استقلال وحرية وسيادة في عهد الحريري الابن. والحقيقة أن ورشة الابن هي إرث إجباري فرضه مقتل الأب، وأن توجهات التيار مازالت متّصلة بلحظة الانفجار البغيض الذي أودى بحياة واحد من الظواهر التاريخية اللافتة التي عرفها البلد منذ استقلاله، وأن أجندة الزعيم الشاب رُسمت بالدم والمواجهة وسلسلة الاغتيالات اللاحقة ومخاض المحكمة الدولية، ما جعل من سعيه مواكبا للالتزامات التي تفرض فرضا على أصحاب الدم.

المتغيرات تحكم محيط لبنان اليوم. الأسد قد يرحل ضمن صفقة إقليمية، وروسيا حاضرة كما لم تكن من قبل، وأوباما يلملم أوراقه قبل مغادرة البيت الأبيض، والسعودية بروح جديدة غير مألوفة

لم ينتبه كثير من اللبنانيين إلى أن سعد الحريري عاد فعلا إلى لبنان منذ أن تسرّب خبر اجتماعه مع الوزير السابق، زعيم تيار المردة، سليمان فرنجية في باريس. عاد الحريري إلى قلب القيادة في تيار المستقبل منذ أن فاجأ قيادات تياره، الحمائم والصقور، بعزمه دعم ترشيح فرنجية للرئاسة الجمهورية في لبنان. وما حرفة القيادة إلا في منحاها الانقلابي، من خلال اتخاذ قرارات من خارج السياق لا يمكن أن يقدم عليها إلا من يمتهن الزعامة في جانبها الكاريزماتي وذلك التكتيكي الحاذق. بدا أن مناورة الحريري باتجاه فرنجية قد صعقت الجميع (حتى فرنجية نفسه) إلى حدّ صمتهم وجوما تارة، وطاعة تارة أخرى.

قيل الكثير، وما يزال يقال، عما وعمن يقف وراء هذه الاستراتيجية الجديدة التي اعتمدها سعد الحريري. وسال حبر كثير عن السرّ الذي يكمن وراء ترويج الحريري لـ”الصديق الشخصي” لبشار الأسد رئيسا للجمهورية اللبنانية. احتار المراقبون في اعتبار ذلك رغبة دولية، تكشفها زيارات السفراء الأجانب لفرنجية، أو رغبة سعودية، يفصح عنها ما كُتب عن علاقات تاريخية جمعت آل سعود بآل فرنجية. وفي الإبحار تحر لجواب مقنع في المشهد المعقد، خرج الحريري بتفسير سهل بسيط.

يريدُ سعد الحريري انتخاب رئيس الجمهورية، وإخراج البلاد من فراغ، أظهرت أزمة النفايات جسامة العلّة التي تفتك به. اختار الموارنة تحت سقف البطريركية أن يقتصر الترشح على الأربعة الكبار: أمين الجميل، سمير جعجع، ميشال عون، سليمان فرنجية. لم يختر سعد الحريري هذه الصيغة، بل فرضت عليه كما على غيره، من قبل النخبة السياسية المارونية. فإذا ما كان انتخاب الخصمين اللدودين (سابقا) عون وجعجع مرفوضا وفق الانقسام السياسي المعروف حولهما، وإذا ما كان ترشح أمين الجميل لا يحظى بالأصوات المطلوبة، فإن الحريري قرر المضي بترشح سليمان فرنجية كحلّ يُخرج البلد من عنق الزجاجة.

ومن سخرية الأقدار أن الحريري الأب كان قد عرض دعم سليمان فرنجية لرئاسة البلاد فكان رد الأخير أن بشار الأسد وحده من بإمكانه أن يأتي به رئيسا، ولا يبدو في عرض الحريري الابن أن فرنجية أخرج له نفس الجواب.

وطن مختلف

يستكشف سعد الحريري أحوال الوطن بعد فترة تأمل قضاها بعيدا. يكتشف من خلال سليمان فرنجية إمكانية العمل مع خصم واضح يأتي من الموقع المقابل. ويكتشف من خلال ردة فعل الحليف سمير جعجع وهن التحالف الذي جمع تيار المستقبل بالقوات اللبنانية واهتزازه في أول امتحان لطبيعة الخيارات السياسية المقبلة (على ما كشفت حملات التحريض المتبادلة بين مناصري الحزبين بعد دقائق على غمز الحريري من قناة جعجع في خطابه مهرجان البيال). يكتشف اللبنانيون عرضية الخلاف التاريخي ما بين “الحكيم” و”الجنرال”، من خلال ولدة عجائبية لاتفاق بين الرجلين أزال خصومة دموية أيديولوجية نالت من وحدة المسيحيين في العقود الأخيرة. ويكتشف عتاة القيّمين على معسكري 8 و14 آذار انتهاء صلاحية ذلك الاصطفاف وحاجة البلد إلى تجاوز ما بات متقادما. كان يكفي أن يحرّك سعد الحريري ورقة على طاولة اللعب حتى تنهار قواعد اللعبة برمتها.

ورشة الإبن هي إرث إجباري فرضه مقتل الأب

غادر سعد الحريري لبنان في عزّ سطوة نظام دمشق على مآلات السياسة في لبنان، إلى درجة الإشراف وطهران على قلب حكومته وهو في عقر دار الرئيس الأميركي باراك أوباما في واشنطن. يعود سعد الحريري إلى لبنان في عزّ ورشة تحضّر لمغادرة بشار الأسد النظام في دمشق، وفي الأشهر الأخيرة الباقية للرئيس أوباما على رأس الإدارة في الولايات المتحدة، وفي عزّ المواجهة التي تخوضها الرياض ضد النفوذ الإيراني في المنطقة. بمعنى آخر، تأتي عودة الرجل ضمن تفاصيل ترسم التحوّلات الجارية في كل المنطقة، على النحو الذي يجعل من حضور الرجل محددا لمسار المعارك ووجهاتها.

يعيد سعد الحريري ترميم تيار المستقبل من تصدّعات أصيب بها بسبب غياب زعيمه. تدفقت قوة الوالد رفيق الحريري من هذا الزخم الإقليمي الكبير الذي كانت تمنحه إياه المملكة العربية السعودية، لا سيما في عهد الملك الراحل عبدالله بن عبدالعزيز، فيما طُرح ألف سؤال وسؤال حول الحظوة التي ما يزال الابن يتمتع بها من قبل الفريق الحاكم في المملكة بقيادة الملك سلمان بن عبدالعزيز. ولا شك أن للأسئلة وجاهتها نظرا للأزمة المالية الكبرى التي عانت منها شركة “سعودي أوجيه” المملوكة لسعد الحريري، وعانت منها كافة مؤسسات تيار المستقبل في لبنان. على أن عودة سعد الحريري إلى لبنان قد تمثّل تحوّلا في المزاج السعودي إزاء الحريري ولبنان معا.

لن يكون سعد الحريري إلا ابنا مدللا للرياض، حتى لو لاح ما قد يفيد بأن العلاقة السعودية مع لبنان قد لا تمر حكرا من خلاله. تناقلت الأنباء أخبارا عن استقبال العاصمة السعودية لشخصيات لبنانية سنّية اشتهرت بخصومتها مع الحريرية السياسية. بدا أن الإدارة السعودية تستكشف أيضا المشهد اللبناني، وأن الرياض لن تستسلم في رؤيتها اللبنانية لرؤية تيار المستقبل وزعيمه. بدا أيضا أن القيادات الطموحة تحت سقف الحريرية السياسية تتحرى حظوة خاصة في قلب الرياض، على ما يجتهد البعض في تفسير تميّز الوزير المستقيل أشرف ريفي أو تحليل المماحكات الضمنية التي تطفو أحيانا بين بارونات التيار الأزرق.

سنوات غيرت بيروت والرياض

يفهم سعد الحريري أن سنوات المنفى غيّرت بيروت والرياض وغيّرت العالم. إيران تتموضع وفق شروط الاتفاق النووي، وروسيا تطل بقوة على الشرق الأوسط من النافذة السورية، والسعودية تمارس دورا قياديا في المنطقة في ظل تبدّل غير مسبوق في علاقتها بواشنطن. يفهم سعد الحريري أن قيادة السفينة المبحرة داخل أنواء المرحلة تتطلب مهارات أخرى لم يمارسها قبل ذلك. يستقبل في دارته عبدالرحيم مراد، وهو من القيادات السنّية الخصمة القريبة من دمشق والذي حظي باستقبال مؤخرا في الرياض، فمن يرشح “صديق” الأسد يجوز له التعامل مع حليفه. يجول الحريري في الشمال والبقاع اللبنانيين موحيا باصطفافات سياسية جديدة داخل الطائفة السنّية تنهي قطيعة وتعد بوصل آخر يضمن حدودا متقدمة من وحدة الطائفة، فيما زيارته لزحلة “عروس البقاع” حول مائدة أرملة الراحل إلياس سكاف تؤشّر إلى عهد آخر يعيد ترتيب التحالفات التي صار مفروضا أن تتجاوز تلك التي انبثقت عن “ثورة الأرز” عام 2005.

العودة صبيحة الـ"14 من فبراير" مثلت تحديا واضحا يعكس صمود الحريرية السياسية في وجه حزب الله وإمعانها في معارضته رغم مرور 11 عاما على اغتيال الزعيم التاريخي ومؤسس تيار المستقبل الرئيس الراحل رفيق الحريري

يعمل سعد الحريري داخل مختبراته الاستكشافية على تحضير نفسه وتياره لاستحقاق الانتخابات البلدية التي يبدو أنها ستجري دون أي فيتو، وكأنها حاجة إنمائية عاجلة للبلد وحاجة سياسية ضرورية لكافة الأطراف. يمنّي الرجل النفس بنتائج تؤكد موقع تياره الرحب داخل لبنان، ما سينعش موقعه في قلب الرياض. ويعمل الرجل أيضا وفق منهجية تعتبر أن انتخاب رئيس للجمهورية بات واردا يشاطره في ذلك تفاؤل نبيه بري رئيس المجلس النيابي اللبناني والشريك الأول لحزب الله داخل الطائفة الشيعية في لبنان.

على أن القرارات الخليجية إزاء لبنان منذ وقف السعودية لهبة الأربعة مليار دولار للجيش اللبناني والقوى الأمنية اللبنانية، أتت لتعاكس من رأي في عودة الحريري عودة للسعودية للعب دور حيوي في لبنان. ولا ريب أن قرارات الرياض أعادت فعلا دورا حيويا سعوديا للبلد، ولو من خلال مقاربة عقابية تقلق اللبنانيين. بيد أن اللافت أن سعد الحريري التقط الكرة السعودية دون وجل، وأعاد توزيعها محليا وتحويلها إلى موقف متميّز يتيح له المناورة في الداخل اللبناني دون معاندة الريح القادمة من وراء الحدود.

يتفهم سعد الحريري قرارات الرياض ودول مجلس التعاون الخليجي، يهاجم حزب الله المسؤول عن تدهور العلاقات اللبنانية الخليجية لكنه يعلن، مع ذلك، استمراره في الحوار معه، وحين يُصدر وزراء الداخلية العرب بيانا يستنكر الأعمال التي يقوم بها “حزب الله الإرهابي” يتحفّظ على ذلك وزير الداخلية اللبناني نهاد المشنوق بعد “تشاور” مع زعيم حزبه سعد الحريري. بالمقابل ينشط حزب الله بالرد الإعلامي من خلال أمينه العام السيّد حسن نصرالله، فيما وزراؤه في الحكومة لا يطلبون ردا حكوميا على “الاتهامات” الخليجية، ما يخلّص حكومة بيروت من الحرج الكبير.

ذهب سعد الحريري يوما للمبيت في قصر بشار الأسد في دمشق بضغط من الرياض في عهد الراحل الملك عبدالله. عرف الرجل منذ تلك التجربة القاسية أن السياسة فن الممكن والماكيافيلية هي دستور “الأمير”، وأن من أراد أن يكون أميرا، عليه أن يجازف بخيارات ويقلب أولويات ويعيد حسابات تحت سقف متين مرفوع فوق أعمدة متينة. هذه هي تماما ورشة سعد الحريري هذه الأيام: تأصيل أساس متين والاحتماء بسقف صلب والتمتع بأقصى ما تتيحه البراغماتية لقيادة السفينة نحو أول مرفأ ساكن.

7