العائلة الديمقراطية تدعم السبسي في الرئاسية

الخميس 2014/11/27
السبسي أضحى مرشح قطاع واسع من التونسيين لأنه الأقدر على حفظ أمنهم

تونس- أكّدت النتائج الأوليّة للانتخابات الرئاسية التونسية، المرور إلى دور انتخابي ثانٍ، سيخوضه المترشّحان اللذان جاءا في صدارة الترتيب؛ الباجي قائد السبسي الذي حصل على نسبة 39.4 بالمئة من أصوات الناخبين وحل في المرتبة الأولى، وملاحقه المنصف المرزوقي الذي حصد نسبة 33.4 بالمئة وحل في المرتبة الثانية. دور ثان يبدو أنّ التنافس فيه على كرسي قرطاج سيبلغ أوجه وأشدّه، خاصة مع عودة الاستقطاب الثنائي، بين الإسلاميين الذين يدعمون المرزوقي من جهة، والعلمانيين وسائر القوى الديمقراطية التي يبدو أنها اتفقت على الوقوف في صف السبسي الذي يمثل ضمانة، وفق رأيها، لسلامة المسار الديمقراطي من جهة أخرى.

أعلنت الهيئة العليا المستقلة للانتخابات، أمس الأول، عن النتائج الأولية للانتخابات الرئاسية التونسية، التي بلغت نسبة المشاركة فيها حولي 64 بالمئة، وهي نسبة اعتبرتها الهيئة مشرفة.

ولئن كانت النتائج التي تمّ الإعلان عنها محتملة لدى عدد من المراقبين والمهتمين بالشأن التونسي، إلاّ أنها فتحت المجال لسجال واسع حول أصوات الديمقراطيين التي رأى، هؤلاء المراقبون، أنّها “ذهبت هباء وكان من الأولى ألا تتشتت”، ممّا كان يمكن أن يحسم الأمر منذ الدور الأول لصالح الباجي قائد السبسي الذي يعدّ المترشح الأقرب لهذه القوى الديمقراطية، ويحول دون المرور إلى جولة انتخابية ثانية، ربّما ستكون مفتوحة على احتمالات عدّة.


من هو مرشح الديمقراطيين؟


لا يخفى على أحد أنّ المعركة الانتخابية المقبلة ستكون حامية الوطيس بين الباجي قائد السبسي ومن ورائه جل القوى الديمقراطية والحداثية التي بدأت في الإعلان عن مساندتها له في الدور الثاني، والمنصف المرزوقي الذي أصبح من الثابت أنه يحظى بدعم من حركة النهضة الإسلامية (التي ناورت ولم تعلن رسميا عن دعمها له في الدور الأول، لكنها وجّهت أنصارها وقواعدها للتصويت إليه). هذا الاستقطاب الثنائي القديم الجديد، عاد ليبرز بشدّة غداة الإعلان عن النتائج الأولية وتأكّد المرور إلى دور انتخابي رئاسي ثان، من خلال التصريحات الإعلامية التي أطلقها ممثلو المترشحين، والتي لئن اختلفت من حيث الحدّة إلاّ أنها صبّت في ذات السياق ألا وهو مغازلة الزخم الانتخابي للمترشحين الذين انسحبوا من السباق، خاصّة ممثلي القوى الديمقراطية الذين حصّلوا نسبة تصويت مهمة، شأن حمّة الهمامي مرشّح الجبهة الشعبية (يسارية).

“مغازلة” واستقطاب لئن يراه المراقبون معقولا حين يصدر من قبل مُمثّلي الباجي قائد السبسي رئيس حزب نداء تونس الفائز بأغلبية المقاعد البرلمانية في التشريعية الأخيرة، والذي ينتمي بدوره إلى العائلة الديمقراطية الموسّعة، إلاّ أنّه يبدو لهم “غريبا” حين يصدر عن ممثلي الرئيس المؤقّت المنتهية ولايته المنصف المرزوقي المدعوم من طرف حركة النهضة الإسلامية، التي خسرت بدورها زخمها في الانتخابات التشريعية الماضية بعد أن فقدت ثقة الناخبين الذين وقفوا على حقيقة مشروعها “الإخواني” الذي يسعى إلى السيطرة على مفاصل الدولة والهيمنة الفردية على الحكم بدل صيانة المكتسبات المجتمعية للتونسيين والسهر على سلامة المسار الديمقراطي الذي انتهجته البلاد منذ انتفاضة 2011 التي أسقطت نظام الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي، وفق تعبيرهم.

تحالف المنصف المرزوقي مع الإسلاميين واستماتته في الدفاع عن أجنداتهم جعله بعيدا عن تمثيل الديمقراطيين

وفي ذات السياق، يرى مراقبون، أنّ هذه المحاولات الممجوجة والمكشوفة الغايات والأهداف التي يقوم بها القائمون على حملة الرئيس المرزوقي من أجل كسب ود ناخبي المرشحين الديمقراطيين في الدور الثاني، لن تنجح لسببين رئيسيين يتلخصان في أنّ المرزوقي أوّلا لا يمثل بالنسبة إليهم مرشّح العائلة الديمقراطية ولا حتى طرفا من أطرافها (على عكس ما يسعى إلى الترويج له) لأنه انخرط، وفق رأيهم، منذ أن تحالف مع الإسلاميين في مشروع آخر لا يمت بصلة إلى المشروع الديمقراطي، وما دعمُ حركة النهضة له في الرئاسية سوى دلالة على ثقتها في ولائه الدائم.

وثانيا لأنّه طالما عمد في تصريحاته السابقة، عندما كان يستميت في الدفاع عن حكم الإسلاميين الذي منّ عليه بالرئاسة، وفق تعبيرهم، إلى معاداة ممثلي الحركة الديمقراطية وتعمّد تشويه تحركاتهم النضالية والتشكيك فيها، حدّ أنّه سبق له أن توعّدهم بـ”نصب المشانق”، في أحد تصريحاته الإعلامية السابقة.


ما الذي أسهم في تشتّت الأصوات؟

يجمع المتابعون للشأن التونسي على حقيقة تجلّت لهم بعد الإعلان عن النتائج الرئاسية مفادها أن التشتت الذي اتّسمت به العائلة الديمقراطية في الاستحقاق الانتخابي الأخير هو الذي أسهم في المرور إلى دور ثان وزاد من حظوظ المرزوقي، وبالمقابل نهل من الزخم الانتخابي الذي كان موجّها للباجي قائد السبسي الذي لولا طموحات بعض المرشحين غير الواقعية لحسم الأمر لصالحه منذ الدور الأول، وفق رأيهم.

حيث أنّ بعض المترشحين شأن كمال مرجان والمنذر الزنايدي ومصطفى كمال النابلي وعبدالرحيم الزواري، والذين لا يختلفون من حيث المشاريع أو التوجهات عن تلك التي ينادي بها مرشح نداء تونس، الحزب ذو المرجعية الدستورية التي ينتمي لها معظم هؤلاء المترشحين، كان من الأجدر بهم ألاّ يشتتوا أصوات الناخبين وأن يدعموا منذ البداية إلى ترشيح الباجي قائد السبسي الذي بدا منذ مدّة، وحسب العديد من عمليات سبر الآراء، أنه محلّ إجماع لدى غالبية الطيف الديمقراطي.

وما إعلان أغلب هؤلاء المترشحين عن دعمهم للسبسي في الدور الثاني، إلاّ دلالة على أنّهم تيقّنوا أنهم أخطؤا بترشحهم ذاك وعطّلوا الحسم بل وأجّلوه إلى وقت لاحق بطموحاتهم التي كشفت النتائج أنها كانت حالمة وبعيدة عن الواقع.

غير أنّ هذا الدعم، وفق عدد من المراقبين، وإن أتى متأخّرا إلاّ أنّه خير من ألاّ يأتي، وهو بالضرورة سيزيد من حظوظ الباجي قائد السبسي الوفيرة للفوز، خاصّة بعد أن تحسم الجبهة الشعبية أمرها في هذه المسألة (علما أنّ عددا من قيادييها صرّحوا أنّ فرضية دعم المرزوقي غير مطروحة إطلاقا)، وهو ما من شأنه أن يزيد من فارق الأصوات والحظوظ بين المترشحين في الدور الثاني.

السبسي لم يعد يمثّل حزبه في الدور الثاني من الانتخابات الرئاسية فحسب بقدر ما أصبح يمثل الخط الديمقراطي الحداثي


لماذا السبسي؟

بعد إعلان عبدالرحيم الزواري، مرشح الحركة الدستورية، عن دعمه للباجي قائد السبسي بعد انسحابه من السباق الانتخابي أياما قبل إجراء الاقتراع، أعلن مؤخرا وبعد الإعلان عن النتائج كلّ من كمال مرجان رئيس حزب المبادرة الذي ينتمي بدوره إلى العائلة الدستورية، والمنذر الزنايدي المترشح المستقل عن دعمهما كذلك لمرشّح حزب النداء.

هذه الخطوة اعتبرها مراقبون معقولة وتنمّ عن وعي من هذه القوى بأنّ الاصطفاف خلف السبسي في هذه الفترة التاريخية الفاصلة، إنّما هو اصطفاف وراء النهج الحداثي الديمقراطي.

هذا الوعي تجلّى كذلك من خلال إعلان العديد من الأحزاب اليسارية عن دعمها لترشح السبسي شأن حزب المسار الاجتماعي الديمقراطي الذي قال إنه اتّخذ هذا القرار من أجل قطع الطريق أمام الإرهاب والعنف والمشاريع الرجعية.

مساندة وإن دلّت على شيء فهي تدلّ على أنّ الباجي قائد السبسي اليوم لم يعد يمثّل حزبه في الدور الثاني من الانتخابات الرئاسية فحسب بقدر ما أصبح يمثّل الخطّ الديمقراطي الحداثي الذي يضمن الحفاظ على المكاسب التي حققتها البلاد على مدى أجيال.


إقرأ أيضا:



ماذا بعد الانتخابات التونسية

6