العادات السيئة تنتقل كالعدوى من أصدقاء العمر لا من رفاق السوء

التأثر بسلوكيات الأصدقاء يحدث لاشعوريا إذ يحاول الدماغ البحث باستمرار عن سلوكيات مثيرة للاقتداء بها وقد يكون لهذا الأمر عواقب وخيمة.
الثلاثاء 2020/07/14
الرغبة في تقليد الأصدقاء تدفع إلى شرك الإدمان

كثيرا ما يقال إن الإنسان رهين عاداته ويتقيد باختياراته ولا يتخلى عنها حتى لو تبين له أنها تضره، ولكن يبدو أن شبكات الأصدقاء تسهم بنحو أو بآخر في تشكيل هذه العادات والسلوكيات، وقد تكون لها عواقب وخيمة.

تخلق شبكة الأصدقاء نوعا من التقليد أو الاستجابة التلقائية نحو مجموعة من العادات والسلوكيات السيئة التي تضر بالصحة مثل التدخين، أو الشراهة في الأكل، أو الإدمان على المخدرات والكحول، خاصة عندما يكون التواصل بين الأصدقاء وثيقا، ويكونون مقربين من بعضهم مكانيا واجتماعيا أو لفترة طويلة من الزمن. وعلى العكس من ذلك، فإن العلاقات غير المتينة سواء مع بعض رفاق المدرسة أو زميل في العمل ليس لها تأثير كبير على السلوكيات الاجتماعية للناس.

وأكدت دراسات عدة أن التأثر بسلوكيات الأصدقاء يحدث لاشعوريا، إذ يحاول الدماغ البحث باستمرار عن سلوكيات مثيرة للاقتداء بها، وقد يكون لهذا الأمر عواقب وخيمة.

ومن الظواهر غير المفاجئة أن يرتبط التدخين بين المراهقين بالشعبية. فعندما يدخن المراهقون المحبوبون بين زملائهم، تزيد معدلات التدخين في محيطهم وتتراجع أعداد من يقلعون عنه.

كما أن الشباب الذين يعاني أصدقاؤهم من مزاج سيء، تزيد معدلات تحولهم إلى مزاج سيء، والعكس صحيح.

شهادات

ويرى عدد من العلماء أن رؤية الأشخاص لأنفسهم قد تتشكل أحيانا من خلال تفاعلاتهم اليومية مع شبكة الأصدقاء والمقربين منهم، ومن غير المستبعد أن يساهم البعض من الأصدقاء بنحو أو بآخر في تشكيل قيمهم وسلوكياتهم حتى من دون أن يدركوا مدى تأثير ذلك على حياتهم.

وهذا ما يطلق عليه العلماء “عدوى السلوكيات الاجتماعية”، فعندما يتصرف أحد الأصدقاء بطريقة غير معهودة أو غير متوقعة، فإن سلوكيات الصديق الثاني قد تتأثر تباعا لذلك.

وأثبتت دراسة أجريت على وسائل الوقاية من الشمس، أن الناس قد يتراخون في اتباع طرق وقائية إذا وجدوا أن أصدقاءهم المقربين يتبعون سلوكيات تخالف ما دأبوا عليه من عادات وسلوكيات وقائية، في الوقت الذي يفترض فيه بالجميع الحذر الشديد من مخاطر أشعة الشمس.

وبسبب قوة الارتباط العاطفي بين أصدقاء العمر، فإنهم يمكن أن يلعبوا أيضا دورا مهما في توجيه سلوكيات بعضهم وتحقيق أهداف إيجابية مشتركة قد يجدون في العادة صعوبة في الوصول إليها بمفردهم. وربما يشمل ذلك الإقلاع عن التدخين أو تجربة حمية غذائية وممارسة التمارين الرياضية بهدف تخفيف الوزن.

ويعتقد الخبراء أن السلوكيات الإيجابية أو السلبية تنتقل كالعدوى عبر الأصدقاء أو أفراد الأسرة الواحدة، وأنه بالإمكان تغيير الكثير من الأنماط السلوكية غير الصحية بالاعتماد على عملية الاحتكاك اليومية والتواصل المباشر معهم، وهذه الاستراتيجية قد أثبتت أنها أنجع بكثير من مجرد مد مجموعة معينة من الأشخاص بلائحة من النصائح أو الحكم لحثهم على تغيير عاداتهم السلبية.

وأكدت سوزان هيغز، الباحثة في العوامل البيولوجية والنفسية للشهية بجامعة برمنغهام، أن البشر لديهم استعداد فطري للاسترشاد بسلوكيات المقربين منهم والأصدقاء الذين يأكلون معهم، إذ توصلت الكثير من الدراسات إلى أن البعض قد يتناولون كميات أكبر من الأطعمة عندما يكونون بصحبة أصدقاء يتصفون بالشراهة. وقد يعزو الناس إقبالهم على تناول الطعام إلى المذاق أو السعر أو الجوع ولا يدركون أن السبب الحقيقي هو الصحبة.

وتوصلت هيغز إلى هذه النتائج بعد إجراء دراسة على عينة من الأشخاص طلبت منهم تناول الطعام إما مع صديق أو بمفردهم، وانتهت إلى أن رفقة صديق آخر من شأنها أن تعيق القدرة على تمييز علامات الشبع، بسبب الرغبة في محاكاة الأصدقاء وتناول المزيد من الأطعمة.

وشددت الباحثة كريستين شولز من جامعة أمستردام على أن العادات الصحية الخاطئة هي أكبر مسببات الموت ومن الممكن تجنبها، كالتدخين والأكل بشراهة، ورغم أن هناك الكثير من المعلومات المتاحة عنها على الإنترنت، إلا أن تصرفات وسلوكيات الأصدقاء تبدو أكثر تأثيرا، ويحدث ذلك شعوريا أو لاشعوريا.

ويمكن لمواقع التواصل الاجتماعي اليوم أن تؤدي دورا رئيسيا في خلق مثل هذا النوع من عدوى السلوكيات الاجتماعية الإيجابية بفضل ما أصبح متاحا على فضاءاتها من استراتيجيات محثة على تخفيف الوزن ومنشورات حول الأنظمة الغذائية والعادات الصحية، والأهم من هذا كله أن البعض من المشتركين في هذه المواقع يساهم في خلق شبكات اجتماعية أوسع نطاقا تشترك في نفس الهدف وتعمل سوية على الوصول إليه.

ورغم أن هذه الطرق عادة ما تنجح مع الأشخاص الذين يولون اهتماما كبيرا بصحتهم ورشاقتهم، ولديهم القدر الكافي من الدعم الاجتماعي الكافي لتغيير سلوكياتهم،
إلا أن الخبراء لا يستبعدون إمكانية تأثر الأشخاص غير الواعين صحيا بسلوك الأشخاص المحيطين بهم ومن يحبونهم.

رؤية الأشخاص لأنفسهم قد تتشكل أحيانا من خلال تفاعلاتهم اليومية مع شبكة الأصدقاء والمقربين منهم، ومن غير المستبعد أن يساهم البعض من الأصدقاء بنحو أو بآخر في تشكيل قيمهم وسلوكياتهم

ويمكن لمزيد من البحث في كيفية انتشار عدوى السلوكيات أن يساعد المؤسسات الصحية على الترويج للسلوك الصحي، والحد من المعاناة المستقبلية والوفيات بسبب الأمراض غير المعدية، لكن العلماء يحدوهم طموح أكبر من ذلك، وهو التعويل على من يطلق عليهم مصطلح “الفراشات الاجتماعية”، أي الشخصيات المؤثرة في محيطها الاجتماعي في توجيه الناس نحو تبني سلوكيات إيجابية وأفعال تتطلب التعاون بين الناس.  كما يمكن توجيه مشاعر الأصدقاء والشبكات الاجتماعية نحو انتهاج طريق بعيد المدى في التفكير والسلوك.

ومن بين نقاط الانطلاق الجيدة، هي أن يعكف الفرد على تطوير “عواطف التسامي” والاعتناء بها. ومن بينها الشعور بالامتنان والتعاطف مع الآخرين. وهي مجموعة المشاعر التي تمثل رابطة حسية قوية بين الفرد وأفكار وتطلعات من حوله وعواطفهم وسعادتهم، التي يجب أن تدفعه إلى التصرف بشكل إيجابي بالنيابة عنهم.

وقد تطورت هذه المشاعر لدى البشر لمساعدتهم على إدارة العلاقات الاجتماعية الموسعة، وجعلهم يشعرون بالانتماء لما هو أكبر من عالمهم الفردي المحدود.

وإذا تأكد هذا الأمر في دراسات إضافية، فقد يتوجب على الجميع إعادة النظر في صداقاتهم، لتفادي الإصابة بعدوى الكثير من السلوكيات السلبية.

21