"العادلون" تراجيديا موسيقية بين أدب كامو و"راب" عبدالملك

ريجيس فاييت ميكانو يحوّل نص ألبير كامو إلى عرض يجمع بين الإلقاء الشعري والمسرح الذي تسنده موسيقى آلية وصوتية.
الاثنين 2019/11/25
مأساة تتجدّد

بعد عامين ونصف العام من أعمال الترميم والصيانة، يفتح مسرح شاتلي بباريس أبوابه لفنان الراب عبدالملك في تجربة مسرحية فريدة، هي تراجيديا موسيقية صاغها انطلاقا من مسرحية ألبير كامو “العادلون”، وحاول فيها الربط بين موسيقى الراب والأثر الأدبي.

من الأسماء التي استطاعت أن تفرض حضورها في الساحة الفرنسية رغم انتمائها إلى الضواحي ريجيس فاييت ميكانو الشهير بعبدالملك، فهو كاتب وممثل ومخرج ومغنّ من أصل كونغولي، برز منذ أواخر الثمانينات حين أسّس مع أخيه بلال وابن عمه عيسى فرقة الراب “الشعراء الأفارقة الجدد”، وأصدر ألبوما أول عام 2004.

ثم لفت الانتباه عندما نشر عام 2005 كتابا بعنوان “ليبارك الله فرنسا” شرح فيه مساره العقدي، ودافع عن إسلام رصين، يقوم على التسامح والرغبة في الاندماج في النسيج المجتمعي الفرنسي، نال عنه جائزة لورانس تران في بلجيكا، وحوّله بنفسه لاحقا إلى شريط سينمائي، قبل أن يصدر ألبومات أخرى مثل “جبل طارق” و“كآبة ومثالية”.

وهو إلى ذلك كاتب ملتزم يناضل مع فرقته لمحو الأمية في صفوف الجاليات الأفريقية المهاجرة، وينشر مؤلفات يدافع فيها عن شباب الضواحي مثل “حرب الضواحي لن تندلع” و“آخر الفرنسيين”، و“الإسلام في نجدة الجمهورية”، وخاصة “كامو، فن التمرد” الذي أصدره عام 2016.

واختياره لمسرحية “العادلون” لم يكن وليد الصدفة، أولا لإحساسه بقربه من ألبير كامو الذي ربته أمه، مثله، وكانت الثقافة وسيلته للخروج من وضعه البائس ومطاولة الأنتليجنسيا الباريسية، فهو بالنسبة إليه بمثابة أخ كبير يجد لديه النصح والمشورة. ثانيا، لأن قراءته لهذه المسرحية جاءت في ظرف سياسي متوتر بعد سنة من مظاهرات السترات الصفراء، وفي مرحلة صار فيها التمرّد على كل الألسن، فالمسرحية في نظره هي صدى لما نعيشه اليوم.

يقول عبدالملك “ما معنى الالتزام اليوم في العام 2019؟ وما معنى التمرّد والثورة؟ وما معنى الصراع ضد كل أشكال الحيف والظلم؟ وما معنى كل ذلك في الأنظمة الديمقراطية؟ لقد اجتمعنا أكثر من مرة في ضاحية أولني سو بوا للحديث عن النص، وأثرنا قضية العنف البوليسي، وإشكالية الهجرة، والأحياء المهملة، وكان ينتابنا شعور بأن هذه المسرحية تطرح أسئلة كانت جوهرية عام 1949، أي سنة تأليفها وعرضها لأول مرة، وأنها لا تزال كذلك اليوم”.

ومسرحية “العادلون” التي ألفها كامو في خمسة فصول، تستند إلى وقائع حقيقية، وتروي اعتزام مجموعة إرهابية من الاشتراكيين الثوار في موسكو عام 1905 اغتيال الدوق الأكبر سيرج، حاكم المدينة المستبد. والمنفذان هما دورا صانعة القنبلة، وعشيقها كالياييف الذي تولى رميها، قبل أن يتم إيقافه.

الممثلون تحولوا إلى شعراء يطرحون فكرة الحياة والموت التي تواجهها يوتوبيا ناشئة، وسردية عن تحلل عالم مثالي

ورغم العرض الذي قدّمته له الدوقة الكبرى إليزابيت كي ينال العفو، رفض فكان مصيره الإعدام. أما دورا فقد هيّأت نفسها لمحاولة اغتيال أخرى لتلحق بكالياييف في فترة شهدت اندلاع ثورة دامية. لم يكن أولئك الثوار الشبان يتخيلون أن ما عانوه من أثر الظلم سوف ينتج عنه عكس ما كانوا يتوقعون، حيث استشرى منطق قاتل ترك بصمته على القرن العشرين.

وبإعطاء تلك الأدوار الروسية لفرنسيين من أصول مغاربية وكونغولية وكمبودية أراد عبدالملك أن يبيّن أن عالم الأمس لا يزال قائما بيننا، ولو أنه يميز بين أولئك الأنارشيست الروس وإرهابيي اليوم، بكونهم مثقفين، لا يرومون القتل لمجرد القتل، بل ثاروا على الظلم والجور توقا إلى حياة أفضل.

يقول عبدالملك “عندما أضع على الخشبة فرنسيين من أصول جزائرية وكونغولية وكمبودية وأوروبية فالغاية ليست البحث عن التنوع بقدر ما هي تأكيد على أننا كلنا متصلون بعضنا ببعض، وأن تواريخنا متشابكة. هؤلاء الشباب أسميهم شعب الأطراف، أناس الضواحي والأرياف الذين لا يُسمعون ولا يُرَون، ولا يظهرون على المسارح الباريسية إلّا في شكل كاريكاتيري”.

لم ينأ عبدالملك كثيرا عن جوهر النص الأصلي، ولكنه حوّله إلى تراجيديا موسيقية كما قال، على غرار “هاملتون” الكوميديا الموسيقية الأميركية التي وضعها لين مانويل ميراندا عام 2007 عن سيرة أحد الآباء المؤسسين للولايات المتحدة هو ألكسندر هاملتون (1757-1804).

واجتمعت في هذا العرض موسيقى الراب والهيب هوب والسْلام والإلكترو، لتقدّم نص كامو على إيقاع ألحان صاغها بلال ومرافقته والين، مع أناشيد جماعية تتخللها أقوال مأثورة مستوحاة من النص الأصلي، تصوّر رؤية مخصوصة للعالم.  ومن خلال طريقتهم في التنقل داخل اللغة الموسيقية الموقّعة، لم يعد الممثلون مجرد متقمصين لأدوار محددة، بل صاروا أيضا شعراء يطرحون فكرة الحياة والموت التي تواجهها يوتوبيا ناشئة، وسردية عن تحلل عالم مثالي.

وبذلك تحوّل نص ألبير كامو إلى عرض يجمع بين الإلقاء الشعري والمسرح الذي تسنده موسيقى آلية وصوتية، بوليفونية، مفردة حينا ومصحوبة حينا آخر، والغاية من الموسيقى كما بيّن المخرج هي تسليط الضوء على وحدة أولئك العادلين، ونزاهتهم، وإخلاصهم لما التزموا به، دون التقليل من أهمية الرهانات الفلسفية لنص كامو في مجمله، ما سمح بالدخول إلى دلالاته الأكثر عمقا، بفضل تلك العناصر المؤثرة.

16