العاشرة مساء

ماذا يفعل العراقيون مع فصل طويل من الصيف يتجاوز الثمانية أشهر، يتساوى فيه الليل والنهار واليقظة مع النوم؟
السبت 2018/08/11
صيف العراقيين اللاهب

خلافا لما هو متعارف عليه، فإن فصل الصيف هو الموسم الذي تصل فيه نسبة الاكتئاب والمزاج الداكن إلى أعلى مستوياتها، بسبب ارتفاع درجات الحرارة إلى الحد الذي تتعطل فيه أعمال اليوم الروتينية ويتراجع فيه الإنتاج بجميع أشكاله.

يشاطرني هذا الشعور ملايين من البشر، أكاد أجزم بذلك، خاصة مع الارتفاع غير المسبوق لدرجات حرارة هذا الصيف حتى في مناطق العالم المعروفة ببرودتها واعتدال طقسها.

بعض الأرقام التي نشرتها وسائل الإعلام تقول إن بريطانيا مثلا شهدت في شهر يوليو الجاري أياما هي الأكثر جفافا منذ العام 1961 من القرن الماضي، فيما كشفت وكالة البيئة بأنها استجابت لأكثر من 40 حادثة بيئية منذ يونيو الماضي، تنوعت بين حرائق الغابات، وتراجع وانحسار منسوب بعض الأنهار والبحيرات إضافة إلى جفاف الآبار، كما حذر مزارعون من أن بعض أنواع المحاصيل التي لم تنضج بعد قد أصابها الجفاف.

لم يضع العلماء إلى حد الآن تفسيرا واضحا لظاهرة الاحتباس الحراري، وهي المتهم الأول في تضاعف حرارة الطقس في العالم؛ فبعضهم يؤكد على نظرية التلوث التي كانت نتيجة مُباشرة للنّشاطات البشريّة والتغيّر الذي يَصنعه الإنسان في بيئة الأرض، فيما يتحدث البعض عن أن تغييرا ما قد أصاب الطبيعة ذاتها ولا دخل للإنسان في ذلك. لكني، لم أستطع متابعة التقارير التي نشرت حديثا عن موضوع الاحتباس الحراري بسبب الحرّ وتعكر مزاجي.

وعلى أمل أن تمضي موجة الصيف الساخنة التي أصابت لندن وعموم بريطانيا وأوروبا إلى غير رجعة، صرت ألاحق يوميا تقويم الأيام وأتابع بقلق انسلاخ الساعات والليالي استعدادا لرحيل شهر يوليو ثقيل الظل من خارطة التقويم، لكن الأيام صارت تمّر ببطء شديد وكأنها أفعى ضريرة!

يحدث هذا، في الوقت الذي تتواصل فيه الحكومات الأوروبية مع مواطنيها ومن خلال وسائل الإعلام، بتقديم النصح والتحذير من تبعات الطقس الساخن وتجنب الوقوف الطويل تحت رحمة أشعة الشمس، باستخدام مراهم لوقاية البشرة، والاكتفاء بملابس خفيفة وبسيطة لدى الاضطرار إلى الخروج في أوقات الذروة، في حين، يستغل مواطنو هذه الدول بدء عطلة المدارس للخروج إلى الشواطئ والمنتجعات والبحيرات، هروبا من الطقس الخانق في المدن. كل هذا، على أمل أن ترحل موجة الحر المزعجة في بدايات أو منتصف شهر أغسطس بحسب وعود مكتب الأرصاد الجوية، هذا الأمل هو الذي يجعل العيش ممكنا في ظل ظروف استثنائية وعابرة.

قرابة الأسبوعين، تتواصل احتجاجات العراقيين في الجنوب الساخن والحزين بسبب سوء الخدمات التي بلغت ذروتها في صيف طويل وساخن لا يرحم، مع شحّة مياه الشرب النظيفة وشحّة تجهيز منازلهم بالتيار الكهربائي حيث تتحوّل أماكن سكنهم إلى أبواب مشرعة على الجحيم، إذ تتجاوز درجات الحرارة حاجز الخمسين درجة وأكثر بكثير خاصة في مدينة البصرة، تصاحبها رطوبة عالية في الوقت الذي يعجز فيه المواطن البسيط عن توفير ماء الشرب البارد لأطفاله. هذه الظروف ليست استثنائية بالتأكيد، فهذا هو حال العراق منذ عقود، أما الأمل فهي كلمة مترفة شطبت من قاموس البسطاء، فالناس حرموا حتى من هذا الأمل الذي يجعل من العيش ممكنا ومحتملا.

أكتب مقالي هذا في الساعة العاشرة مساء بتوقيت لندن، بعد أن توارت شمس النهار القاسية محذرة بعودة أشد قسوة في اليوم التالي. كل يوم، أقضي أوقاتي كيفما أتفق على أمل انتظار الغروب والساعة العاشرة لأستأنف عملي في أجواء أكثر إنسانية تتراجع فيها درجات الحرارة إلى اتزانها الطبيعي فلا يعود بإمكانها أن تزعجني أو أن تقطع عليّ تدفق أفكاري.

ولكن، ماذا يفعل العراقيون مع فصل طويل من الصيف يتجاوز الثمانية أشهر، يتساوى فيه الليل والنهار واليقظة مع النوم؟ وما هي الساعة التي يمكنهم أن يعلقوا عليها آمالهم؟ هل هي الساعة الخامسة والعشرين!

21
مقالات ذات صلة