العاصمة الجديدة والقاهرة القديمة

الأربعاء 2015/03/25

من المعروف أن الأصل في اللغة أن تتكلم الشعوب، ثم يعكف العلماء على دراسة كيف يتكلم الناس ويستخرجون من كلامهم القواعد التي يضعونها، لا أن تأتي فئة من اللغويين أو هواة البحث في اللغات، لكي يضعوا قواعد يفرضونها على الشعوب ويعلمونهم كيف يتكلمون.

ولا يختلف الأمر في ما يتعلق بإنشاء المدن، فالأصل في المدن، أن الشعوب، أي البشر، هم من يختارون الأماكن بحسهم الخاص وإدراكهم الواعي لأهمية الموقع الجغرافي وقيمته، وكيف يتيح للناس ممارسة أعمالهم وإبداعاتهم الزراعية والتجارية والصناعية، سواء عن طريق النقل البحري والنهري، أو الصيد في البحار، أو الزراعة في الأراضي التي يمكن تزويدها بالمياه، وكذلك في المواقع التي تسهل حمايتها والدفاع عنها ضد الغزاة.

تعلمنا هذه الأشياء من دراسة تاريخ نشأة كل المدن “العظيمة” في العالم، فقد كان الأصل أن تستقر مجموعة من الصيادين أو الرعاة أو الباحثين عن المعادن في المناجم، في منطقة معينة تتمتع بوضع جغرافي يسهل ربطها بطرق المواصلات، ويتيح لها علاقة بغيرها من المدن، وقد تصبح بوابة إلى العالم كما كانت الإسكندرية مثلا.

ويأتي إثر هذا دور الاستثمارات العملاقة القادرة على الإنشاء والتعمير والتوسع والمحافظة على ما تم إنشاؤه فعلا وتطويره، وهو ما يحدث في لندن وطوكيو وبرلين وأمستردام وغيرها.

ومدينة القاهرة لم تنشأ بقرار إداري، أو سياسي، بل بوعي بأهمية المكان من خلال التاريخ نفسه، فهي الموقع الأصلي لمدينة الفسطاط الفرعونية. وموقع القاهرة عند التقاء فرعي نهر النيل ليس مصادفة، بل يجسد “عبقرية الطبيعة”، تماما كما تلعب عبقرية الطبيعة، دورها الفذ في صنع ذلك النسق البديع عند التقاء نهر “أورويا” مع المحيط الأطلسي، لكي تنشأ مدينة سان سباستيان في إقليم الباسك شمال غربي أسبانيا، كواحدة من أجمل مدن العالم.

صحيح أن القاهرة الحالية تعاني من انتشار الأحياء العشوائية، التي تقول بعض الدراسات أنها تحتل 62 في المائة من مساحتها. وهو ما يستدعي وجود الإرادة السياسية لتنفيذ خطة قد تستغرق عشر سنوات مثلا، للتخلص من تلك العشوائيات الهائلة التي تفرز الإرهاب والعنف والفوضى والتدهور، وذلك بخلق تجمعات سكانية بديلة ونقل سكان المناطق العشوائية إليها بالإقناع أو بفرض قوة القانون.

هكذا فرضت إرادة نابليون الثالث خلق “باريس” الجديدة التي نعرفها حاليا، بعد أن كانت قد أصبحت تمتلئ بالممرات الضيقة المتخلفة التي تنتشر فيها الجريمة، بالتعاون مع المهندس العبقري هاوسمان، فأصبحت مليئة بالمساحات الواسعة والشوارع العريضة الممتدة والمزينة بالتماثيل والنوافير.

إن تطوير العاصمة التاريخية للشعب المصري، وتحويلها إلى مدينة صالحة للحياة، بل وللاستمتاع بالحياة، مثل أيّ عاصمة أوروبية، أهم كثيرا من إنشاء عاصمة جديدة في الصحراء، خارج نطاق القاهرة التاريخية البديعة وتبني نمط معماري أساسه ناطحات السحاب، يسكنها الأثرياء والقادرون على دفع الثمن.

لا بأس من التوسع العمراني، وإنشاء المشاريع العملاقة التي تساهم في تقليص التكدس السكاني، ولكن التحدّي الحقيقي سيظل قائما في كيفية إنقاذ المدن القديمة التي تجمع بين عبقرية البشر وعبقرية المكان، من العشوائية والفوضى والتدهور والانهيار والخروج من التاريخ.

كاتب وناقد سينمائي من مصر

16