العاصوف في عيون عربية.. بين الإشادة والنقد

مسلسل يعرض التحولات السياسية والاجتماعية والفكرية والاقتصادية التي مرت بها السعودية في حقبة السبعينات، وما بعدها، والتي تشكّل فيها الكثير من الأيديولوجيات ذات التعقيدات المركبة.
الاثنين 2019/06/03
سرد التاريخ انطلاقا من داخل البيوت

تشهد الدراما الخليجية في السنوات الأخيرة تطورا ملحوظا، خاصة في المواضيع التي تتناولها وفي المقاربة الإخراجية والأداء التمثيلي، كل هذا في ارتكاز على نصوص متماسكة ومشتغلة بعناية. وفي دراما هذا العام كانت السمة الأبرز هي عودة بعض الأعمال الدرامية الخليجية إلى فترات من الماضي، المنسي والمهمش رغم أهميته، ما أعطى صورة جديدة عن منطقة الخليج قبل الطفرة الاقتصادية والتحولات الاجتماعية التي شهدتها. ومن هذه الأعمال المسلسل السعودي “العاصوف” الذي أثار جدلا واسعا بين المثقفين العرب.

مسلسل العاصوف المقتبس من رواية الكاتب السعودي الراحل عبدالرحمن الوابلي، والتي كانت تحمل اسم "بيوت من تراب"، نجح في استقطاب جماهيرية عربية عالية ونسبة مشاهدة فاقت جميع المسلسلات العربية، الأمر الذي جعل من هذا العمل الدرامي حديث المجتمع السعودي والخليجي والعربي، فالعمل يعرض -وبشكل جريء نسبياً- التحولات السياسية والاجتماعية والفكرية والاقتصادية التي مرت بها السعودية في حقبة السبعينات، وما بعدها، والتي تشكّل فيها الكثير من الأيديولوجيات ذات التعقيدات المركبة.

قصة مستهلكة

العاصوف في جزئه الثاني يأتي استكمالاً لسلسلة من أربعة أجزاء، حيث يلقي من خلالها الضوء على أهم ملامح التغيرات الاجتماعية التي حاصرت السعودية داخلياً وخارجياً وفق المتغيرات العالمية التي عصفت بالمنطقة، والتي أنبتت الحركات السياسية اليسارية ثم اليمينية منذ الستينات حتى وقتنا الراهن.

لم يكن للعاصوف أن يتناول درامياً المناطق التي تناولها لولا أنها تأتي ضمن سياق الموقف الرسمي للتحولات الوطنية السعودية، وكأن العاصوف جزء من الحدث الذي يشاهد نتائجه المواطن السعودي وهو يعيش مفترق الطرق الجديأدة بين الماضي القريب والحاضر القائم، وكأنه يشاهد مراحل تطـوره التي آل إليها عبر الشاشة.

العاصوف

استطاع العاصوف أن يخلق جدلا بين المثقفين العرب الذين تابعوا باهتمام كبير مسلسل أحداثه اليومية منذ الجزء الأول، وقد تفاوتت آراؤهم بين اعتباره عادياً بسيطاً وسطحياً وبين اعتباره عميقاً ومهماً، استطاع أن يتناول منطقة جديدة لم تكتشف بعد في تاريخ المملكة.

 كتب الناقد السعودي محمد العباس “بالتأكيد ليس المطلوب من المسلسل تعداد كل مآثر وتفاصيل تلك اللحظة، ولا نسخها بشكل آلي، بل تقديم بناء درامي فيه من الأمانة والإثارة والتشويق ما يكفي لإبقائنا قبالة الشاشة، فقد وعدنا المسلسل بعرض التاريخ المادي واللامادي لتلك الحقبة. وأملنا أن نشاهد تاريخنا الوجداني كما عشنا تحولاته مستعادًا في عمل درامي استثنائي. ولكنه طردنا من ذلك الفضاء وأجبرنا على مشاهدة قصة مستهلكة لعائلة منغلقة على نفسها ومنشغلة بمشاكلها اليومية. وهذا ينافي حقيقة كون الدراما حركة محاكية للواقع، فاستقراء التاريخ الاجتماعي من الوجهة الدرامية لا يكون بالتركيز على هوامش يومية وعادية في حياة أسرة، بل الارتقاء بالعمل الدرامي إلى مستوى النظام الاجتماعي”.

ويرى الفنان المسرحي السعودي علي الهويريني أن مسلسل العاصوف لم يتكلم إلا عن “الصابونيات”، فلم يتناول إلا مشاكل العائلات، وهذا الأمر ليس معنياً به، مؤكداً أن ذلك ليس هو دور الفن، الذي يجب أن يصنع الأمة ليرتقي بها عبر إرسال رسائل للناس. ويؤكد الهويريني بأنه يجب أن يخرج المسلسل من العائلة، وأن يعطي للمشاهدين سيرة المال وكيف جعلت التاجر السعودي يستثمر في البلد.

وأشار إلى أنه يجب على الدراما أن ترفع من قيمة المرأة، وعدم الاكتفاء بمجالس السلطان عبدالحميد، يقول “قل لي -ولو كذباً- أن هنالك امرأة قيادية أو عالمة أو مفكرة. إذ تبدو أن مشكلتنا الأساسية ولب آلامنا في الزواج أو الأولاد، فالدراما صنعت في الأصل لصناعة المجتمع إما عبر الكوميديا وإما المأساة. كل ما يقدم لدينا عبارة عن حكايات، لا ترقى أن تكون مشروعاً أدبياً، وإذا كان لكل شخص حياة يستطيع
أن يرويها فعليه ألا يلزم الناس بقراءتها”.

عمل مثير

العاصوف

ومن وجهة نظر مختلفة كتبت الكاتبة العراقية خلود العلي “أتابع باهتمام مسلسل العاصوف. هذا العمل يرصد تحولات المجتمع السعودي قبيل وأثناء الطفرة الاقتصادية فيها. والمسلسل يقدم ضمن دراما رصينة ومتقنة، ولا يهدف إلى أن يكون ضمن السباق الرمضاني بقدر اهتمامه بتقديم عمل متقن من كل الوجوه. وأهم حلقاته تلك التي تصدت لعملية جهيمان العتيبي الذي اقتحم الكعبة المشرفة مع مجموعة من أتباعه عام 1979 وطلب البيعة لأحدهم بزعم أنه المهدي المنتظر. الحلقة والمسلسل ككل جميل جدا ويستحق المتابعة كعمل فني رصين وجريء”.

من جانبه علّق الكاتب العراقي إياد العنبر على المسلسل بالقول “وظّف المسلسل حادثة اقتحام الحرم المكي بطريقة ممتازة، إذ جعل الأجيال الحالية تستذكر أحداثها. المشهد المهم ذاك الذي ظهر فيه الممثل ناصر القصبي مع خاله، وردة فعله على مقتله. أعتقد أن هناك العشرات، بل المئات من الحوادث والبطولات الحقيقية التي سمعنا عنها في الحرب ضد تنظيم داعش. ومن المستغرب عدم وجود مسلسل عراقي قادر على تقديمها بدراما حقيقية بعيدة عن الفنتازيا ولغة الحوار المترهلة والتي ليست فيها فكرة”.

ورأت الناقدة اللبنانية المصرية مارلين سلوم أن ما ينقص “العاصوف” هو الكتابة بأسلوب تشويقي أكبر، والابتعاد عن حشو الحوارات بسرد لا لزوم له، وكمثال على ذلك التشاور في مركز القيادة العسكرية الذي أتى -برأيها- “باردا”، في وقت الذروة والتوتر والأعصاب المشدودة، حيث يتم أثناء احتجاز المصلين داخل الحرم المكي، والسعي الحثيث لإيجاد طريقة للاقتحام من دون سفك الدماء قدر المستطاع. وتؤكد أن المخرج شريك في هذا الخطأ، ويتحمل مسؤولية رفع مستوى الحدث درامياً إلى حدود “الأكشن»، والتشويق والحركة السريعة، والتي كانت ضرورية في العمل.

تقول سلوم “المسلسل يثير جدلاً في محله، وينجح في تحقيق الهدف منه؛ من الطبيعي أن تعلو بعض الأصوات المعترضة على عدم اكتمال المعلومات، أو دقتها في الأحداث الحقيقية، لكننا نستغرب الأصوات الداعية لإيقافه بحجة ‘تشويهه’ للمجتمع السعودي، فتسليط الضوء مهم للاستفادة مما حصل، وكشف لأقنعة الإرهابيين والمخربين للمجتمعات”.

العاصوف

وعلّق الناقد السعودي رجا ساير المطيري بالقول “يمتلك مسلسل العاصوف2 مزايا، تجعله أكثر جاذبية من بقية المسلسلات السعودية، منها كاريزما ناصر القصبي، ومشاكسته الدائمة، وشخصية جهيمان، والإثارة المرتبطة بها. الجمهور السعودي المحب والكاره للقصبي، تابع المسلسل، والتحدي كان صعبا جداً أمام صنَّاع العاصوف ليتجاوزوا ما قدموه في الجزء السابق”.

بصورة شاعرية عبّر الروائي والأدميرال السعودي السابق عمرو العامري عن رأيه في العاصوف بالقول “كان عاصوفنا نحن المنسيين الذين هبطنا الرياض بخرائط الشوك في أقدامنا، ووسم النار في جباهنا وأجسادنا، وأعيننا مخططة بالرمد، كان عاصوفنا أننا هبطنا الرياض ولم نكن نعرف أي الأبواب نطرق، فلا الطلاب اختاروا الجامعات الملائمة لتخصصاتهم ولا المعدمون الشباب كانوا يعرفون أبواباً سوى أبواب القطاعات العسكرية الأسهل، ولم يكن أكثرهم يجد البدلة التي تناسب مقاساته الصغيرة، لكنهم قبلوا بها وقبلت بهم، والكبار من الرجال وجدوا أنفسهم مستخدمين (فراشين وحراس مدارس وعمال شوارع) في محاولة أخيرة لتغيير مصائرهم بعد أن شح عليهم الغيم وأمحلت حولهم الأرض لكنهم (وهذا جهل منهم) دخلوا الرياض كلهم من باب واحد، لم يقل لهم أحد لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرقة، فلازمهم كلهم حظ عاثر عجز عن تغيير مصائرهم عدا القليل منهم، ليورثوا أولادهم في ما بعدهم حظا أضعف الإيمان في كل شيء”.

ويرى المسرحي والشاعر السعودي صالح زمانان أنه يُحسب للعاصوف في جزئه الثاني أنه تناول حقبة السبعينات من خلال وجهة نظر خاصة، ومن منظور لا يتوقعه (الجمهور الثقافي) من خلال ذاكرته.

 يقول زمانان “العاصوف استثمر بقعة صغيرة تُمثلها ‘عائلة الطيّان’، وكثّف علاقاتها عبر مجموعة من القصص واليوميات، بحيث تأتيها التغيّرات والتحوّلات من ‘حقل الأيديولوجيا’ الخارجي باعتباره مصدر تغيّر القيم والأفكار والسياقات، وإنْ قصّر قليلاً في إجلاء الحقل الآخر، الناتج من ارتفاع الدخل النفطي والمُسمى بـ’حقل الطفرة’، بوصفه المصدر الرئيس والعام لازدهار العائلة، وتغيّرها في العديد من الجوانب الاجتماعية، فلم نشاهد انبعاث الطفرة رغم مشاهدتنا لنتائجها في القصة بشكل واضح، مثل الانتقال إلى المنازل الفاخرة، والبعثات الدراسية، وسفر السياحة للخارج، وسهولة إيجاد عمل، وغيرها”.

14