العاطفة والعقل

الأحد 2017/02/19

يبدأ العقل في التأثير حين يكون هناك وعيٌ ثقافيٌ بالراهن الذي يراد للعقل التأثير به. ولأن العقل لا يعني فقط جهازا بشريا خلقه الله ليميّزه عن باقي مخلوقاته، وهي صفةٌ طرحها الإنسان لنفسه لأن هناك مخلوقاتٍ أثبتت قدرتها على التفاعل مع الخطر الذي يحدق بها أو مع الحياة التي يجب أن تسير عليها إذا ما افترضنا أن العقلانية هنا لا نعني بها الأخلاق ولا نعني بها الهدوء والسكينة، بل هي مجموعة علاماتٍ دالةً تثبت قدرتها على أن ما يتم طرحه سيكون مؤثراً.

ولأن العقل يبدو نقيضاً للعاطفة التي تعمل دائما على أن تكون هي الحاضنة الهادئة والمخلّفة لتأثيراتٍ سلبية والقادرة على استمالة العطف في اتجاه معينٍ، فإن من المهم المحاورة بين العقل والعاطفة، وذلك حين يكون المرء أمام حالتين متناقضتين بين العقل والعاطفة، فإن الضعف سيكون في الأغلب الأعم حينها نقول غلبته العاطفة وهو ما يعني أن العاطفة دائما هي موضع الخسارة.

إن العاطفة لا تعني الضعف لو استخدمت في رسم كينونة ذاتية قابلة للمعرفة والتماهي معها بل هي قد تكون مركزاً مهما من مراكز التوعية في اتجاهات البناء مثلا أو حب الوطن أو الانغماس في الواقع الثقافي والأدبي، لأن العقل هنا سيأتي في مرحلةٍ لاحقةٍ بعد التوطين العاطفي الذي يبدأ خطوته الأولى في تكوين شبكة العلاقات المهمة. بمعنى أن كلّ شيءٍ يبدأ من حبّ الشيء أي التعاطف معه ومن ثم البحث عن معناه وهو يبدأ العقل الذي نصِفه بأنه عقلٌ ثقافيٌّ قابلٌ وقادرٌ على الإتيان بصياغاتٍ جديدةٍ لماهية الشيء أو المادة أو المعنى الذي أريد له أن يستمر بعد الخطوة الأولى العاطفية. ولأن العاطفة بحسب علم النفس “فعالٌ هادئ لكنّه يدوم طويلاً كالحزن والحبّ ويختلف عن الهيجان الذي هو انفعال عنيف لكنّه لا يدوم طويلاً والعاطفة انفعال هادئ خفيف يستمرّ لمدّة طويلة) فإنه لا مناص من الحب أو العاطفة إذا ما دخلت فيها الوجدانية التي هي ضمير معرّف.

ولكنّ التعاطف في تكسّب الأشياء شيء والعاطفة في الفكر والثقافة شيءٌ آخر. قد تبدأ خطوتها الأولى ليس كما يبدأ الطفل مثلما يؤكد علم النفس “العاطفة قد تكون نحو مفهوم مجرّد أو كاتب أو شاعر لا نعرفه أصلاً، وقد تكون نحو الأمّ أو الابن، وقد نحبّ جميعاً الأطفال أو الأوطان أو الأمانة أو الوفاء”، وأيضا يكون تأثيرها “تطبع سلوك صاحبها بشيء من الاستقرار والثبات، بدليل أنّ الطفل يستمرّ في حبّ أمّه حتى لو قلّ تعبيره عن هذا الحبّ”.

إن الأثر الذي يمكن أن يولد من تولّد حالتي العاطفة والعقل في الحقول المعرفية هو الذي سيمكث إن كان هناك ثمّة ما يمكن أن ينمّي في الداخل روح التمركز من أجل إغناء الحياة، لأن الإمساك بالحالتين يعني أن هناك قدرة قوية وثقافية متمسكة بالولوج إلى أهم مرتكزات الحياة وهي عدم المسايرة دون رؤيةٍ واضحةٍ لما حولنا.

في حين أن استخدام العاطفة لتكون هي الأكثر وزناً في طرفي الميزان سيتحوّل معه العقل إلى أداةٍ متعصبةٍ لأنه عقلٌ مستهلكٌ لآراء الآخرين وغير قابلةٍ للتمحيص والتفحّص والتدقيق في مفاتيح الصدق وإقفال الدجل أو الكذب.

وكذلك فإن استخدام العقل دون أن يكون خطوةً سابقةً له باتجاه العاطفة سيكون الاستخدام جافاً غير قابلٍ للتأثير بما حوله والذي قد يكون متحكماً مغروراً وهو لا يلبّي طموح الآخرين لأنه لا يملك الوسيلة التي تمكن الآخرين من القبول بآرائه بوصفه متحجراً بما قد يوصف.

وما بين حالتي المدّ والجزر يتوضح لنا أن العقل يعرّف بأنه “هو القوة المهيَّأة لقبول العلم، وبه يستنبط العاقل الأمور”، ولكننا نبحث عن العقل الذي عرف بكونه “العقل نورٌ روحاني يقذِفُه الله في القلب والدماغ” ليكون أكثر تأثيراً وقبولاً، ويمنع ما يحصل من قبَل من يملكون فكرة التطرّف من استغلال عواطف الناس، حينها لا نفع للعقل إن تعصّب وتحوّل إلى أداةٍ قاهرةٍ لمعاني الحياة لأن العقل “نورٌ روحاني يقذِفُه الله في القلب والدماغ”.

كاتب من العراق

11