"العاطفيون".. ثقافة تهدد المراهقين وتقود إلى الانتحار

انتشرت مؤخرا بين صفوف الشباب في بعض الدول العربية، والذين تتراوح أعمارهم ما بين 14 و18 عاما، سلوكيات غريبة ومظاهر كئيبة. وشملت خاصة محيط مدارس التعليم العام والجامعات، حيث بات من الصعب أن تفرق الذكور عن الإناث، فشكلهم متطابق تقريبا في تسريحات الشعر وطريقة وضع الماكياج، يرتدون سراويل جينز ضيقة وقمصانا قاتمة اللون تحتوي على علامات مرعبة كشكل جمجمة أو عظام، وهي غالبا ذات مربعات بيضاء وعلامات زهرية.
الجمعة 2016/04/22
تسريحات غريبة تعبر عن اكتئاب شديد

أطلق بعض الشباب على أنفسهم شباب الـ”إيمو”، وهي اختصار للكلمة الإنكليزية “Emotion” أو “Emotive” بمعنى عاطفيون، فهم عناصر من ذوي الحساسية المفرطة، ثقافتهم ممتدة من موسيقى الروك الصاخبة، والتي تبدأ عادة هادئة ومنخفضة الصوت ثم ترتفع تدريجيا وبشدة. الظاهرة تزايدت في إحدى الجامعات المصرية وسط شباب مراهقين مستعدين لتبادل مشاعرهم الكئيبة مع أقرانهم “الإيمو” فقط، وقد اجتمعوا بشكل دوري للإفصاح عنها عبر رواية قصصهم البائسة أو الاستماع لموسيقى حزينة.

وأوضحت مديرة شؤون الطلبة بالجامعة (رفضت ذكر اسمها) لـ”العرب”، أن هؤلاء لا يشكلون ضررا، فالإدارة تعاقب على اللباس الخليع أو التصرفات غير اللائقة في الحرم الجامعي، وهم ليسوا كذلك ولا يمكن اتخاذ إجراءات تعسفية ضدهم.

ولم تهتم المديرة باتساع دائرتهم وانضمام المزيد من الطلبة إلى تلك الثقافة الدخيلة، وفي الإطار تقول المديرة إن “هؤلاء الطلبة ‘في حالهم’ ولا يعتدون على حرية الغير، ويكفي ما يمرون به من مشاكل”. ولم تظهر المديرة استعدادا أو رغبة في وضع حلول عملية لمواجهة هذه الظاهرة.

ويبدو أن سلوكيات “الإيمو” مدفوعة بعوامل اجتماعية ونفسية أدت بهم إلى الحزن والانطواء، وخلافا لغيرهم فهم يخفون ألمهم ويتقبلونه ويتناغمون معه، بل ويتظاهرون أحيانا بالسعادة في حين أنهم ليسوا كذلك.

وحاولت “العرب” استطلاع أمرهم فوجدتهم منعزلين يتعاملون بحذر شديد مع الآخرين، ولديهم رغبة في الاختلاف، أما نمط لباسهم فهو يبدو قريبا من الشباب الغربي وتقليدا لهم. وشباب “الإيمو” هم ثلاثة أنواع الأول أخطرهم، حيث يعبّر عن حزنه بالانتحار لاعتقاده أنه سيخلصه ومنهم شواذ جنسيا.

أما النوع الثاني، فينتمي إليه أغلب “إيمو مصر” وينظرون إلى الحياة على أنها سبب وصولهم إلى مرحلة “الإيمو”، وهم أكثر حساسية من الناس العاديين عندما يتألمون يشعرون بألم نفسي ويقومون بجرح أنفسهم.

أصبحت الإيمو في مجتمعاتنا العربية نمط حياة للمراهقين، أطلق عليها علماء النفس "ذو النفسية المتمردة الحساسة"

وهناك نوع ثالث يسمى “Kids Sense” أو مشاعر الأطفال، وهم من النوع المبتسم على الدوام، يهتم بالمظهر أكثر من إيمانه بأفكار ومعتقدات “الإيمو”.

بدر محمد طالب جامعي من “إيمو” كلية الآداب، أكد لـ”العرب” عدم صحة الأقاويل المتداولة عن قيامهم بطقوس سريّة أو أنهم ينتمون إلى “عبدة الشيطان”. وانضم بدر لـ”الإيمو”عن طريق مجموعة على الفيسبوك بعنوان “Egyptian emo”، مشيرا إلى انتشار صفحات كثيرة للتعارف بين الجنسيات المختلفة المعتنقة لفكر “الإيمو”، وأكبر مجموعاتهم على مواقع التواصل الاجتماعي هي مجموعة “الإيمو الحقيقي”.

وأوضح وائل محمد (صاحب صالون تجميل) لـ”العرب”، أن هناك فتيات لم تتجاوز أعمارهن الـ16 عاما تترددن على محله ومعهن صور لقصات شعر يردن تقليدها، وعندما سألهن عنها قلن إنها لشباب “الإيمو”. وهذه التسريحات الغريبة تعني أن هذا الشخص لا يريد أن تراه جيدا لأنه في حالة اكتئاب شديدة، وهناك من يغطي عينا ويترك أخرى، ويعني أن تراه بعين واحدة، وبعض بنات “الإيمو” يضعن “فيونكات” كبيرة على شعرهن. ويوحد الماكياج بين الجنسين، فالسواد الكثيف حول العينين يصل إلى الحاجبين، وللمزيد من الكآبة فهناك تمائم معلقة في الرقاب وأساور عريضة سوداء محكومة على معصم اليد.

وليم سعيد، صاحب محل إكسسوارات بمنطقة وسط البلد بالقاهرة، روى لـ”العرب” أن زبائنه من “الإيمو” لا تتعدى أعمارهم الـ17 عاما وأغلبهم طلبة مدارس، يطلبون منه “خواتم معدنية” على شكل هياكل عظمية وجماجم، ويفضلون الإكسسوارات السوداء. أما الحلقات الدائرية الصغيرة فيشترون كميات كبيرة منها بسبب وجود ثقوب كثيرة في أجسامهم. وأوضح سعيد أنهم يقبلون على شراء الماكياج القاتم، فطلاء الأظافر يكون باللون الأسود في حين يضعون على الشفاه “لونا بنيا وأزرق قاتما”.

ثقافة دخيلة وغريبة

إيناس مجدي، توصف بأنها “حاضنة روحية لبنات الإيمو”، أكدت لـ”العرب” عدم وجود نهج معين لديهن باستثناء اشتراكهن في عواطف حزينة لا يخجلن من الاعتراف بها أمام الجميع. وهناك مجموعات “إيمو” موجودة في مصر أصولها إنكليزية ويونانية وبولندية تؤمن بأنها ستذهب بعد الموت إلى “العرض الأسود”، وهو عنوان لألبوم موسيقي صدر في العام 2006 لفرقة “كيميكال رومانس”″وكانت تدعو إلى طقوس “الانتحار عبادة”.

ويذكر أن قوات الأمن المصرية ألقت مؤخرا القبض على مجموعة تمارس طقوسا غريبة منها جرح الجسد قبل أن تتطور للانتحار، واعترفت بتأثرها بثقافة “الإيمو”، وتكرر الأمر في الأردن والعراق، الأمر الذي دفع بعض الجماعات المسلحة إلى استهدافهم.

وأكد حسين سراج الدين أستاذ الطب النفسي أن “الإيمو” ثقافة غربية نشأت كتيار موسيقي لـ”الهارد روك” و”البلاك ميتال” مع بداية الثمانينات في الولايات المتحدة ومنها انتقلت إلى أوروبا. وأصبحت الإيمو في مجتمعاتنا العربية نمط حياة وطريقة معيشة وتفكيرا للمراهقين، حيث أطلق عليها علماء النفس “ذو النفسية المتمردة الحساسة”. وقد ساعدت على تبني هذه الظاهرة حالة المراهق النفسية، فهو يحاول التمرد ويميل إلى معاقبة نفسه، مقتنعا أن الحياة مجرد ألم ويؤدي انغماسه في هذه الحالة إلى الانتحار.

وأرجع أستاذ الطب النفسي في تصريحات لـ “العرب” تزايد هذه الظاهرة في أوساط الشباب والمراهقين الذين يمرون بفترة عصيبة من التأجج العاطفي، فتولد لديهم نزعة لتضخيم المشاكل واستدعاء الذكريات الأليمة. وذكر أن الكثيرين منهم لا يبحثون عن علاج بسبب قناعتهم بأنهم ليسوا مرضى، موضحا أن عددا قليلا منهم جاء للعلاج بعدما عجزت أسرهم عن إثنائهم عن جرح أنفسهم، خاصة في منطقة الرسغ.

وجدير بالذكر أن هناك الكثير من “الإيمو” ممّن تحسنت ظروفهم النفسية وعادوا إلى وضعهم الطبيعي، سواء في شكلهم أو حياتهم الاجتماعية السابقة.

21