العالمان الروحي والمادي يتآلفان في الصور

"الفن في حوار الأديان الأزلي" كتاب يحيي لقاء الأديان بين فن المنمنمة وفن الأيقونة وتصميم الرمز بمضامينه.
الثلاثاء 2020/03/24
المقدسات رموز ثقافية (لوحة للفنان أحمد أنور)

محمد ناجي

يطرح كتاب “الفن في حوار الأديان الأزلي” للناقد الفني العراقي عبدالرحمن جعفر الكناني إشكالية على قدر كبير من الحساسية، حيث يؤسس لرؤية الرمز البصري المتقارب مع نظام بيئي بديل عن نص التوحيد الإلهي المقدس في تجسيد هوية الأديان السماوية وتمثيل معتقداتها.

ينطلق الكتاب، الصادر عن المركز الديمقراطي العربي في العاصمة الألمانية برلين، في ديباجته من إجماع الأديان السماوية على تحريم تجسيد الذات الإلهية في شكل بصري، لكنها التقت في جعل الصورة كشفا روحيا كتابيا لما يعبر عن عقائدها في إيحاءات رمزية مستوحاة من رسالات السماء وسير الرسل والأنبياء، جاءت في رموز وأيقونات ومنمنمات تشكلت بخصائصها التقنية، وانفردت بمزاياها الأسلوبية، وشغلت المكان بدورها الوظيفي، لما احتوته من فلسفة تجمع بين الإنسان والكون والدين، هي في حصيلتها تآلف العالمين الروحي والمادي في كتابة حروفها مصورة يتجلى فيها الباطن في شكل ظاهري قابل للإدراك الحسي.

الكتاب يكشف أن الإنسان ينزع إلى تصوير جوهره أو عقيدته في إطار رمزي
الكتاب يكشف أن الإنسان ينزع إلى تصوير جوهره أو عقيدته في إطار رمزي

يكشف الكتاب أن الإنسان ينزع إلى تصوير جوهره أو عقيدته في إطار رمزي، وهو يختار لدينه رمزا بصريا استوحاه بنفسه بما يتلاءم مع عقيدته الدينية، فالرمز الذي يتشبث به الإنسان، كشكل بصري يرى فيه المختصر الأعظم لمعتقداته، معتقدا أنه ذاك الوعاء الذي يحتوي مضامين معتقده الذي يؤمن به، جاعلا منه هوية أسمى لمعتقده، الذي يميزه عن أي معتقد آخر.

ويرى المؤلف أن الرمز هو خصوصية عقائدية، اختارها الإنسان، ولم تكن فرضا في النصوص الإلهية، التي حملها الملائكة رسائل سماوية إلى الرسل والأنبياء، ولم تتضمن رمزا، أو إشارة إلى تشكيل رمز عقائدي بصري، يتمظهر به المؤمنون بعقيدتهم.

ويسعى الرمز البصري إلى الارتقاء بمضمونه، من خلال إعطاء العالم الغيبي شكلا حسيا، إذ يرى الفيلسوف الفرنسي هنري برغسون أن إمكانية التوصل إلى الحقيقة فقط، عن طريق “الخبرة الحدسية” المعبر عنها في منجز ما؛ وهكذا يبدو “الرمز تجسيد اللا مرئي، واختزاله في شكل مرئي تدركه الحواس حدّ الإيمان به”.

لقد استشهد كتاب “الفن في حوار الأديان الأزلي” في الاختيار الدنيوي للرمز الديني بمضمون “الرمزية المعرفية” في نظر العالم سيغموند فرويد باعتبارها ليست فطرية، بل هي قدرة اقتباس مفردات النظام البيئي، وتشكيلها في رمز موحد، يعبر به الإنسان عن وجوده ومعتقده. وخصص الكتاب حيزا لقصة الخلق التي جسدها الفنانون التشكيليون في رسوماتهم، استنادا إلى القصص السماوية، حيث لم يدرك الإنسان قصة الخلق إلا مع نزول الرسالات السماوية على الرسل والأنبياء، بعيدا عن تلك الأساطير التي توالت في مختلف العصور. وتطابقت قصة الخلق جوهريا في التوراة والإنجيل والقرآن الكريم، ولا فرق إلا في الإسهاب بالتفاصيل التي جاءت في سفر التكوين، والإجمال والإشارة في القص القرآني.

وتختلف الأديان في “وظائف الفن”، بدا “اللاهوت” مقابلا لـ”الميثولوجيا الدينية”، فموضوعات علم اللاهوت المسيحي الرئيسية هي: الله، الإنسان، العالم، الخلاص، البعث، الحساب.

ويقابل ذاك العلم “علم الكلام” في الإسلام، وما جاء في حديث جبريل عليه السلام: الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر.

أبحر الفنان الإيطالي ميكائيل أنجلو روحا في “الكتاب المقدس”، مستحضرا “قصة الخلق” كما جاءت في سفر التكوين رسما في غاية الدقة والرهبة بسقف كنيسة سيستين في الفاتيكان، ملتزما بتسلسلها الزمني، ووقائعها من اليمين إلى اليسار.

ميكائيل أنجلو رسم قصة الخلق
ميكائيل أنجلو رسم قصة الخلق

أما فنان المنمنمات الإسلامية محمد راسم الجزائري فلم يقترب من علم إلهي غيبي، تكامل في كتاب “القرآن الكريم” نصوصا لا تقبل التأويل، وهو يرسم ملحمة “تاريخ الإسلام” في رسم تزويقي مصغر، مجسدا وقائعه، منذ نزول الوحي الإلهي في آية قدسية، وبناء الكعبة المشرفة، قبلة المسلمين، صاعدا بإيقاع فني، يتآلف مع التصاعد الزمني للأحداث، المدوّنة في صفحات التاريخ.

لقد شخص الكناني الاختلاف الوظيفي بين المنمنمة الإسلامية “وظائف دنيوية” والأيقونة المسيحية “وظائف دينية”، أما الدين اليهودي “قدسية الرمز” فقد وصفه بأنه دين بلا صور؛ “تحريم الصورة”.

اتجهت المنمنمة في مسار يوازي الأيقونة، واختلفتا في مضمون الوظائف، واتفقتا على هدى التوحيد الإبراهيمي الذي تنتسب إليه الديانات السماوية الثلاث، والتقتا في تحريم الشرك الوثني عبر التشخيص المصور، ورفض شرك النسبي بالمطلق أو المخلوق بالخالق الأوحد، واتفقتا على معنى واحد متقارب أولا كتاب الروح، وثانيا الكتابة المقدسة.

ففي بابل حيث هبط الملكان هاروت وماروت سميت المنمنمة بـ”كتاب الروح”، وفي أثينا حيث ازدهرت الحضارة اليونانية سميت الأيقونة بـ”الكتابة المقدسة”، إذ نجد في تفصيل مصطلح “أيقونغرافيا” كلمتي الرسم والكتابة.

وفسرت إحالة النص المقروء إلى صورة واقعية كي يتمكن الذهن من استيعابها، فرغم العمق في الواقعية، إلا أن الصورة تأخذ الصفة المثالية في ظل التقنيات الفنية المستخدمة، لتقترب من خصوصية مضمونها القدسي المؤثر.

واقترنت المنمنمة بالنص المكتوب في التاريخ الإسلامي، فأحدهما يكمل الآخر. أما الأيقونة فتطلق في كيانها الفني المجرد نصا مكتوبا يقرأ بأبجدية تشكيلية الأحداث والوقائع وسير الأشخاص في الكتاب المقدس.

وهكذا يحيي كتاب “الفن في حوار الأديان الأزلي” لقاء الأديان بين فن المنمنمة مع فن الأيقونة وتصميم الرمز بمضامينه التي تعد “المختصر العقائدي الأعظم” في أداء وظيفة توثيق الحدث الإنساني وتجلي الهوية الدينية من خلال كتابة وتدوين وقائعه بمدلولات بصرية.

14