العالمة المصرية.. تصفيات جسدية واغتيالات معنوية

لا تزال عقول معظم المجتمعات العربية متشبعة بفكرة التفوّق الذكوري، فتتجاهل عقل المرأة وتنظر إليه باستصغار، مكرسة صورة مغلوطة عنها مفادها أنها أقل كفاءة وذكاء في ابتكار النظريات وتقديم الحلول والبراهين في النواحي العلمية.
الأحد 2016/09/25
أدوات المطبخ تلازم البنت العربية منذ الصغر

مُخترِعات عربيات لا يعرف كثيرون عنهن شيئا، بالرغم من توصَّلهن بجهودهن الفردية إلى إنجاز اختراعات مهمة، فقد أثروا مثلا الحياة العلمية، في الفيزياء والكيمياء والطب، تتجاوز فائدتها حدود بلداهنّ، وبَدَل من أن تتبنَّى الدُوَل اختراعاتهن، وتضعها موضع التطبيق العملي، نجدهن يواجهن تصفيات، إما جسدية أو معنوية.

الاغتيال الجسدي كان من نصيب أولَ امرأة عالمةٍ مصرية في التاريخ، الفيلسوفة السكندرية، شهيدة العلم هيباتيا (370 – 415 ميلادية) التي عاشت إبانَ العهدِ الروماني مع بدايةِ انتشارِ الدينِ المسيحي في العالم، وهي ابنة الفيلسوف الفيثاغوري ثيون الذي نشأ بدوره في مصر وتعلم فيها.

كانت هيباتيا أول عالمة رياضياتٍ وفلك وفيزياء وفلسفة، في وقت كانت تلك المجالات حكرا على الرجال فقط، حيث قامت بعمل رسم الأجرام السماوية، واخترعت مقياس ثقل السائل النوعي (الهيدرومتر) المستخدم في قياس كثافة ولزوجة السوائل، اخترعت أيضا نوعا من الإسطرلاب (آلة دقيقة تُصوَّر عليها حركة النجوم وتُستخدم في الملاحة وفي مجالات المساحة لتحديد الوقت بدقة ليلاً ونهارًا). ولأنها نشأت في مجتمع يحتقر المرأة ويكره نجاحاتها وتفوقها، تم اغتيالها لجعلها عبرة لكل أنثى تتجرأ على خوض مجال العلم.

مع أن هيباتيا جاءت من المنطقة العربية وتعتبر مثالا عالميا لمشاركة المرأة في العلم، وألهمت العديد من العالمات العربيات على دراسة علم الفلك، إلا أنها غير مشهورة ولا معروفة لكثيرين.

الفكر الذكوري وحقد الرهبان كانا السبب في مقتل هيباتيا، لكن الفكر التآمري والفاعل المجهول هما من اغتالا الدكتورة سميرة موسى أول عالمة ذرة مصرية، بعد مرور أكثر من 15 قرنا على وفاة هيباتيا. حصلت المصرية سميرة على درجة الماجستير عن "التوصيل الحراري من خلال الغازات" ثم سافرت إلى بريطانيا ودرست الإشعاع النووي، ونالت الدكتوراه في الأشعة السينية وتأثيرها على المواد المختلفة، وتوصلت من خلال أبحاثها لمعادلة خطيرة تساعد في تفتيت ذرّات المعادن الرخيصة والمنتشرة في كل بقاع الأرض، مثل النحاس ما يعني إتاحة الفرصة للجميع لامتلاك القنبلة النووية بسهولة. وبدأت شهرتها العالمية وأصبحت خطرا متحركا، فتمت دعوتها للولايات المتحدة لوأد هذا الخطر.

ليلى عبدالمنعم، مخترعة مصرية مقيمة في لندن، من أبرز اختراعاتها بحيرة اصطناعية تستغل كقاعدة لإطلاق صواريخ فضائية

هناك أكثر من خمسين بالمئة من الفتيات غالبيتهنّ يدرسن العلوم أو التكنولوجيا أو الرياضيات، إلا أن القليل منهن يدخلن معترك العمل، ومع وجود نسبة كبيرة من النساء الحاصلات على الدكتوراه في المجالات العلمية، فإن قليلات منهن يكملن طريقهن في مواصلة الأبحاث.

برأي مديحة عبدالقادر، أستاذة بالمركز القومي للبحوث العلمية في القاهرة، أن هناك جملة من التحديات تواجه المرأة العالِمة لمواصلة أبحاثها. وقالت لـ"العرب" إن ثمة نساء حاصلات على درجات علمية من جامعات عالمية مصنفة في المراكز المتقدمة، إلا أنهن يصطدمن بتحديات مجتمعية وثقافية لا حصر لها، فالباحثات لا يجدن فرص التوظيف، والطالبات لا يلقين الدعم من أسرهن.

البداية تكون مع التنشئة منذ الصغر، فدائما ما يقول الأهل لبناتهن إن الرياضيات والعلوم صعبة، وعليهن أن تتجهن للغات فهي الأسهل، وعليهن أن يلعبن بالعرائس ولا تفككن السيارات، ويهدونهن أدوات المطبخ ولا يفكر أحد أن يأتي لهن بميكروسكوب مثلا، وبالتالي يترسّخ لدى الفتيات أن خوض معترك التكنولوجيا معناه خسارة لأنوثتهنّ.

من وجهة نظر عبدالقادر، من الصعب تغيير تلك الثقافة بل يجب التحايل عليها لدعم النساء في هذه المجالات، وردم الفجوة بينهن والرجال، ولن يتحقق ذلك إلا بعد أن تشقّ الأعداد المتزايدة من خريجات الجامعات طريقها إلى البحث العلمي. لكن غاب عن عبدالقادر أنه بمجرد دخول المرأة للمجال البحثي ستتعثر خطواتها، فمعظم الباحثات لا يحصلن على فرص متساوية في مصر لما يحصل عليه الرجال، من حيث الوصول إلى مصادر التمويل أو المشاركة في المؤتمرات العلمية التي تتطلب إعداد بحوث أو أوراق عمل، بل قد لا توجه إليهن دعوات للمشاركة من قبل الجهات المختصة.

أما إذا حدث وتخطت مرحلة البحث العلمي ووضعت قدميها على سلم الاختراعات تجد نفسها تحت وطأة تحديات أشد قسوة، فلا توجد أيّ جهة تموّل الأفكار الجديدة، وعليها أن تنفق على اختراعها من مالها الخاص، إلى أن تحصل على براءة الاختراع ويتم الاعتراف بها، لتدخل بعد ذلك دوامة عدم وجود مراكز بحثية تتبناها أو تطبقها على أرض الواقع، فتصبح وكأنها لم تكن وتعود إلى نقطة الصفر. وإذا تجاوزت مرحلة الصفر وتم تطبيق اختراعها وأصبحت عالمة ومخترعة قد يتم اغتيالها معنويا بتجاهلها من دولتها الأم التي لا تعترف باختراعها ولا تتبناه.

ليلى عبدالمنعم، مخترعة مصرية مقيمة في لندن، من أبرز اختراعاتها بحيرة اصطناعية تُستغل كقاعدة لإطلاق صواريخ فضائية، وفي مؤتمر غلوبل بلندن تسلمت وسام استحقاق عالمي، وكان ترتيبها الثالث بين ألف عالم وعالمة من جنسيات مختلفة في المسابقة التي تقام سنويا، قالت عنها لجنة التحكيم في المؤتمر إنها “أمّ المخترعين التي تعمل في صمت أبي الهول وشموخ الأهرامات” ومع ذلك لم تحصل على براءة اختراع واحدة من أكاديمية البحث العلمي في مصر.

وفي الوقت الذي يهتم فيه موقع “مكتبة جامعة كورنيل”، الذي يعود إلى أبرز الجامعات الأميركية بالدراسات عن وضع المرأة العربية، يحصر تقاريره على جرائم الشرف، ولا توجد دراسات عن المرأة العربية في العلوم والتكنولوجيا. وربما نجح البعض في نقل تلك الصورة السيئة عن المرأة المصرية للخارج، فعندما كانت غادة محمد عامر، نائب رئيس المؤسسة العربية للعلوم والتكنولوجيا، في الأردن لمناقشة أحد الأبحاث سمعت تعليقا يقول "ما هذا هل هذا لديكم في مصر؟ كنا نعتقد أن كل من بمصر جالسون في شارع الهرم".

كاتبة من مصر

20