العالم إزاء ثورة نوعية تهيئ لمستقبل من نوع آخر

الجمعة 2015/04/24
العالم يتطور بوتيرة متسارعة تختلف عما سبق

يبدو أنّ التحديات التي يواجهها العالم اليوم جراء التغييرات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية الناتجة عن التطورات الهائلة لتكنولوجيا المعلومات وشبكات الإنترنت وتكنولوجيا النانو، وغيرها من الفتوحات العلمية، لن تترك شيئا على نفس نظامه المعهود. تحديات تنبئ بقيام ثورة نوعية تهيئ حتما لمستقبل من نوع آخر تنقلب معه موازين القوى رأسا على عقب.

يتعلق مفهوما التغيّر والاختلاف اللّذان سيتسم بهما مستقبل العالم، بالنوع أكثر من تعلقهما بالكم هذه المرّة، حيث أنّ العالم لم يسبق له أن شهد مرحلة تغير مشابهة لما ستشهده البشرية في القريب العاجل.

مستقبل مختلف عن كلّ ما سبق، يرصده نائب الرئيس الأميركي الأسبق آل غور، في كتاب يحمل عنوان “المستقبل.. ستة محركات للتغيير العالمي”، ترجمه د.عدنان جرجس وصدر عن المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بالكويت في جزأين، وفق منهج تحليلي يكشف الأخطار المحتملة على مدى أكثر من ثماني سنوات. فما يقدمه آل غور من واقع بيانات ودراسات وبحوث عميقة أجريت حديثا، وبرامج ومشروعات يجري العمل عليها، منها ما هو معلن ومنها ما هو في طي الكتمان، يثير الفزع بالفعل في ما يتعلق بما هو قادم تحت سقف هذا العالم عموما دون اعتبار معيار الثراء والفقر لأنه لن يكون مؤثرا.

وقد مرت البشرية، وفق آل غور، عبر مراحل ثورية من التغيير في السابق، غير أنّها جميعها لم تكن بالقوة نفسها، ولم تحمل في أحشائها التوأم الأخوي ( الخطر والفرصة ) شأن المراحل التي هي الآن في طور الظهور. كما أنّ العالم لم يمرّ على الإطلاق في ما مضى بهذا الكمّ الهائل من التغييرات الثورية التي تتكشف في آن واحد وتتلاقى مع بعضها البعض. وهو ما ينبئ بتغيرات من نوع آخر.

خيارات حاسمة

يحدد آل غور، ستة محركات يرى أنها الأكثر أهمية في التغيرات العالمية المستقبلية، عارضا لكيفية التقائها وتفاعلها مع بعضها البعض، متسائلا عن المسار الذي تأخذنا إليه، وعن كيفية تأثير البشر (بما يمثلونه من حضارة كونية عالمية) بأفضل السبل في الطريقة التي تتكشف بها تلك التغييرات.

وتعد تلك المحركات، التي يسميها الكاتب، الخيارات الحاسمة، الوسيلة التي ستسمح للبشرية بأن تفكر بصفاء في سبل “استعادة السيطرة على مصيرها وطرائق صياغة المستقبل”، وتتلخص في:

آل غور: ظهور شركة الأرض يحول القوة الاقتصادية من الغرب إلى الشرق

◄ أولا نشوء اقتصاد عالمي مترابط بشكل عميق، ويعمل على نحو متزايد ككيان كلي متكامل تماما، وله علاقة جديدة كلية مع تدفقات رأس المال والعمالة والأسواق الاستهلاكية والحكومات الوطنية، مختلفة تماما عمّا كانت عليه في الماضي.

◄ ثانيا ظهور شبكة اتصالات إلكترونية على نطاق الكوكب تربط بين أفكار ومشاعر مليارات البشر، تتيح لهم الوصول إلى كم هائل من البيانات التي تتنامى وتتوسع على نحو متسارع، وإلى شبكة سريعة النمو من أجهزة الاستشعار المزروعة بكثرة في جميع أنحاء العالم، وإلى أجهزة ذكية متطورة وروبوتات وآلات تفكير، يفوق ذكاؤها بالفعل قدرات البشر في أداء قائمة متنامية من المهام العقلية المنفصلة، وربما تتفوق علينا قريبا في مظاهر وتجليات الذكاء التي كنا على الدوام نفترض أنها ستبقى من الملكات الفريدة للجنس البشري.

◄ ثالثا ظهور توازن جديد تماما في القوى السياسية والاقتصادية والعسكرية في العالم، يختلف جذريا عن التوازن الذي اتسم به النصف الثاني من القرن العشرين.

◄ رابعا ظهور النمو السريع غير المستدام لنسب السكان والمدن واستهلاك الموارد واستنزاف التربة السطحية ومنابع المياه العذبة، وكذلك أنواع الكائنات الحية، وتدفقات التلوث، والناتج الاقتصادي الذي يقاس ويوجه بواسطة مجموعة غريبة ومشوهة من المقاييس المقبولة عالميا.

◄ خامسا ظهور مجموعة ثورية جديدة من التقنيات القوية في مجال البيولوجيا والكيمياء الحيوية والجينية وعلوم المواد، والتي من شأنها أن تمكّننا من إعادة تأسيس التصميم الجزيئي لجميع المواد الصلبة، وإعادة حياكة نسيج الحياة نفسها، وتغيير الشكل المادي والسمات والمميزات وخصائص النباتات والحيوانات والبشر.

◄ سادسا ظهور علاقة جديدة بين القوة الإجمالية للحضارة البشرية والنظم الأيكولوجية للأرض، بما في ذلك على وجه الخصوص النظم الضعيفة الأكثر عرضة للضّرر، وهي الغلاف الجوي والتوازن المناخي اللذان يعتمد عليهما استمرار ازدهار الجنس البشري.

هذه المحركات الحاسمة للتغيير العالمي المقبل، انطلق آل غور من ثمة في تحليلها انطلاقا من الاقتصاد، حيث رأى أنّ الاقتصاد العالمي يشهد تحولا بفعل تغيرات تفوق في سرعتها أي تغيرات سابقة في تاريخ البشرية من خلال قوله “نحن نعيش مع وضمن شركة الأرض: فالسياسات الوطنية والاستراتيجيات الإقليمية والنظريات الاقتصادية المقبولة منذ أمد طويل، والتي تعتبر الآن مفصولة عن الواقع الجديد للاقتصاد المرتبط بشكل مفرط والمتكامل بشكل وثيق والمتفاعل بدرجة عالية والذي شهد ثورة تكنولوجية”، لافتا إلى أنّ العديد من الشركات الكبيرة التي حقّقت نجاحا كبيرا في العالم تنتج الآن السلع في “المصانع العالمية الافتراضية” باستخدام شبكات عنكبوتية معقدة”.

إعادة التنظم الجذرية تشمل المجتمعات والثقافات وآليات التجارة والنظم التعليمية وطرق التواصل مع الآخرين

طفرة تكنولوجية

يبشر آل غور في كتابه بثورة صناعية ثالثة من خلال تكنولوجيا النانو، مؤكدا أنّ “مفاعلية المواد النانوية وخصائصها الحرارية والكهربائية والبصرية تندرج ضمن التغييرات التي يمكن أن يكون لها تأثير تجاري كبير”، لافتا إلى أنّ أفضل طريقة لفهم الاقتصاد العالمي هي أن يتم اعتباره ظاهرة طارئة (أي ظاهرة يكون فيها الكل ليس فقط أكبر من مجموع أجزائه، وإنما يكون أيضا مختلفا جدا عن مجموعة أجزائه بطرق مهمة وقوية) ليس مجرد مجموعة أكثر ترابطا من نفس الاقتصادات الوطنية والإقليمية التي كانت سابقا تتفاعل مع بعضها البعض، وإنما كيان جديد تماما يمتلك ديناميات داخلية ونماذج وزخما وقوة صرفة مختلفة عما كان مألوفا في الماضي. وبالطبع هناك قيود على تدفق البشر عبر الحدود، وتدفقات التجارة تكون أقوى بين البلدان المتجاورة، لكن الاقتصاد العالمي بأكمله أصبح اليوم متشابكا مع بعضه البعض بإحكام أكثر من أي وقت مضى.

وقد أضحت عملية إعادة التنظّم الجذرية تشمل المجتمعات والثقافات وآليات التجارة والنّظم التعليمية وطرق التواصل مع الآخرين، وكذلك أساليب التفكير، مع ظهور العقل العالمي ونمو المعلومات الرقمية بمعدلات فائقة السرعة. حيث أنّ “الإنتاج السنوي للبيانات الرقمية ومخزونها لدى الشركات والأفراد يفوق بـ 60 ألف مرة المخزون الإجمالي للمعلومات الموجودة في مكتبة الكونغرس، وبحلول العام 2011، زادت كمية المعلومات الناشئة والمتكاثرة بعامل تصل قيمته إلى تسعة في غضون 5 سنوات فقط. كما أنّ مقدار سعة المخزون الرقمي لم يتجاوز المخزون اللارقمي (التناظري) حتى العام 2002، ولكن في غضون خمس سنوات فقط نمت نسبة المعلومات المخزنة رقميا إلى 94 بالمئة من جميع المعلومات المخزنة”.

ثورة صناعية ثالثة بتكنولوجيا النانو

وتعدّ التقنية الناشئة التي تسمى “البيانات الكبيرة”، بدورها، واحدة من الحقول الجديدة الرائدة والمثيرة لعلم المعلومات. وتقوم على تطوير خوارزميات جديدة للحواسيب العملاقة لغربلة الكميات الجديدة الضّخمة من البيانات، التي ينظر إليها سابقا على أنّها غير قابلة للمعالجة والتحكم بها، وأكثر من 90 في المئة من المعلومات التي جمعتها أقمار “لاند سات” الصناعية وتحويلها مباشرة إلى مستودع تخزين إلكتروني، من دون تشغيل عصب واحد في دماغ الإنسان ومن دون معالجتها بواسطة أجهزة الحاسوب لتحديد أنماطها ومعناها، وهذا الكنز الدفين وغيره من البيانات غير المستخدمة يمكننا الآن من تحليلها أخيرا.

أخطار محدقة

لدى تطرقه لمعالجة الأخطار التي تتهدد العالم جراء تعاظم شبكة الإنترنت، والتي تتصاعد مع تعقد مشكلة الأمن الإلكتروني، لفت آل غور، إلى “أنّ فيروسات الحواسيب والديدان وغيرها من التهديدات يمكن إعادة إرسالها من خوادم بعيدة المدى تقع في أي بلد تقريبا حول العالم، ومن المستحيل في كثير من الأحيان تحديد المصدر الأصلي للهجوم فعليا”.

وبعد موجة من الهجمات ضد المؤسسات المالية الأميركية في أواخر 2012 (التي اتهمت إيران بالوقوف وراءها)، قال وزير الدفاع الأميركي بشكل علني حينها “إنّ هجوم بيرل هاربر الإلكتروني على ميناء بيرل يمكن أن يلحق ضررا جسيما في البنية التحتية للولايات المتحدة”، وهو ما يؤكد حقيقة تلك المخاطر.

ورأى أنه مع اقتصاد عالمي متكامل بإحكام وشبكة رقمية عالمية، فإنّ البشرية تشهد ولادة حضارة كونية حقيقية في العالم. ومع تضاعف المعرفة والقوة الاقتصادية وانتشارها إلى مساحات أوسع وبسرعة أكبر من الثورات الطباعية والصناعية، يمر التوازن السياسي في العالم بمرحلة تغيير هائلة بدرجة لم يسبق لها مثيل منذ العقود التي تلت ربط أوروبا بممرات بحرية مع الأميركيتين وآسيا قبل 500 سنة. ونتيجة لذلك فإنّ ميزان القوى بين الدول يتغير بشكل كبير، تماما مثلما أدت الثورة الصناعية إلى هيمنة أوروبا وأميركا على الاقتصاد العالمي، فإنّ ظهور شركة الأرض يحول القوة الاقتصادية من الغرب إلى الشرق وينشرها إلى اقتصادات النمو الجديدة التي تتطور في جميع أنحاء العالم؛ وهو ما يفسر تفوق الصين، على وجه الخصوص، على أميركا كمركز ثقل في الاقتصاد العالمي”.

يخلص آل غور، إلى أنّ التفاؤل بالمستقبل قد يكون مريحا لكنّه من دون جدوى إذا لم يقترن بالعمل، فـ”التفاؤل من دون تعهد بالعمل يعدّ عدوانا سلبيا تجاه المستقبل”.

6