العالم الإسلامي والحاجة إلى جسر بديل عن البوسفور

الجمعة 2017/07/28

على مدى عقود وحتى قرون ظلت تركيا الجسر الفعلي الذي يربط أوروبا بالعالم الإسلامي، والبلد الذي يمثل محرار العلاقة بين العالمين. كان هذا يبدو من الماضي، فعلاقة أنقرة بالعواصم الغربية لا تتعدى اليوم جسر البوسفور المعلق.

تركيا التي قبرت الخلافة بلا رجعة قبل نحو قرن وغيرت لاحقا جلدها مع مصطفى كمال أتاتورك بهدف الارتباط أكثر فأكثر بالفضاء الأوروبي، نجحت في أن تركن إرث الإمبراطورية في الزاوية كما نجحت إلى حد ما في تحييد عداواتها التاريخية في القارة. وهي تحظى اليوم بالفعل بمكانة رئيسية في حلف شمال الأطلسي وهي لاعب لا غنى عنه في تحديد السياسات الأمنية والعسكرية للحلف.

لكن مع كل ذلك حافظ هذا البلد لفترات طويلة في أن يبقي على قيادته الرمزية في أي حوار حضاري بين الإسلام والغرب وفي تسويق صورته كوسيط يعتد به في احتواء أي صدام ديني وثقافي بين العالمين الإسلامي والمسيحي، وداخل العالم الإسلامي نفسه، مستفيدة من موقعها الجغرافي الاستراتيجي.

على الرغم من تلك الصورة لم تنجح أنقرة قط في تبديد جانب كبير من التحفظ وسط النادي الأوروبي المسيحي بشأن نواياها، ليس فقط بسبب ما ترسب من قرون طويلة من إرث الأجداد العثمانيين ولكن أيضا ما تضمره بعض الإصلاحات السياسية الموجهة.

حتى وقت قريب بدا أن تركيا أقرب من أي وقت مضى إلى المعايير الأوروبية، فالإصلاحات الجريئة التي تم الدفع بها من قبل الحكومة الإسلامية منذ العام 2002 في التشريعات والاقتصاد والاستثمار، جعلت من تركيا المتخمة بتاريخ طويل من الحكم الدموي والانقلابات العسكرية، قوة اقتصادية صاعدة من تحت الركام والتخلف بموازاة التقدم الكبير الذي أحرزته في فتح مفاوضات الانضمام مع بروكسل.

أبهر حزب العدالة والتنمية الجيران الأوروبيين في بداية حكمه برد الاعتبار إلى صناديق الاقتراع وإعلاء سلطة القوانين التي مكنت تدريجيا من تحجيم صلاحيات الجيش الواسعة وإلحاقه تحت رقابة الحكومة والبرلمان ووضع حد لسطوة باقي المؤسسات الحارسة للعلمانية وفي مقدمتها القضاء. لكن مع ذلك هناك ما يبرر التحفظ الأوروبي المستمر، فالإصلاحات والتعديلات الدستورية تصبح فاقدة لمعناها إذا كانت تتقاطع مع أهداف مبيتة كتلك المرتبطة بتعزيز سلطة الرئيس والانحراف بنظام الحكم إلى نظام “رئاسوي”، على طريقة دكتاتوريات الشرق القائمة على حكم الزعامات والتي بزغت في خمسينات وستينات القرن الماضي في أعقاب موجات التحرر من الاستعمار الغربي والعثماني.

ويبدو أن التجربة التركية التي سطعت قبل نحو عشر سنوات أو أكثر قد بلغت الآن نهاية المطاف، وأن البلد الذي تورط في الكثير من المشاكل الإقليمية والانحرافات الداخلية الخطيرة قد حسم أمره في اتجاه تثبيت سلطة بوليسية برأس واحد، أبعد ما تكون عن أنظمة الحكم الديمقراطية، ولكنها تحتفظ في الوقت الراهن بدور مهم في المنطقة وبأوراق ضغط عديدة في سياساتها الخارجية ترتبط أساسا بملفي الهجرة والأمن.

عدا ذلك فإن تركيا تبعد أكثر فأكثر كل يوم عن جيرانها الأوروبيين، فسياسات القمع الحالية للمعارضة وملاحقة النشطاء وتلفيق التهم لهم كيفما اتفق، تتعارض مع نموذج الحكم الإسلامي المعتدل ومقولات التعايش بين الإسلام والديمقراطية التي طالما تسلح بهما حزب العدالة والتنمية في تسويق سياساته وفي مفاوضات الانضمام مع بروكسل.

تركيا أردوغان اليوم لا تقامر فقط بفرقعة ما تبقى من علاقاتها بأعدائها التقليديين داخل الاتحاد الأوروبي، وفي مقدمتهم النمسا والمجر وهولندا وفرنسا، وإنما هي أيضا تخاطر بخسارة أبرز حليف تاريخي في المنطقة، ألمانيا قاطرة الاتحاد.

ألمانيا التي تضم أكثر من ثلاثة ملايين مهاجر تركي قدموا كـ”عمال ضيوف” وساهموا في بناء أكبر اقتصاد أوروبي في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، طالما مثلت على مدى عقود سندا سياسيا مهما لأنقرة ولطموحاتها في الانضمام للنادي الأوروبي منذ بدء المفاوضات في ستينات القرن الماضي.

والآن يعمل حزب العدالة بنسق حثيث ودون وعي على عزل تركيا في الزاوية ونسف عقود من الإصلاحات والعمل الدبلوماسي النشط، بضربه حرية الصحافة واعتقال صحافيين ونشطاء ومن بينهم ألمان وتوجيه تهم إرهابية إليهم.

إن الابقاء على التوتر والعداء مع العواصم الغربية لا يضر فقط بمصالح تركيا الاقتصادية وطموحاتها الأوروبية على المدى البعيد وإنما يجدر أن يضع ذلك صورتها كقاطرة العالم الإسلامي على المحك. فتركيا بسياساتها المتأرجحة أصبحت تثير الأسئلة والانقسامات من حولها حتى داخل البيت الإسلامي نفسه.

يعطي ذلك كل التبرير للباحثين عن جسر بديل للبوسفور قد يمتد بعيدا على طريق الحرير، باتجاه الاقتصادات الإسلامية الصاعدة بأندونيسيا وماليزيا، فالعالم الإسلامي أحوج ما يكون اليوم إلى خطاب جامع ومتسامح، ويكون بديلا عن الشعبوية الدينية لإعادة رسم موقعه على الخارطة كطرف بان وليس بمخرب.

صحافي تونسي

6