العالم السري للقذافي

الخميس 2014/04/24

أفاضت الصحف العربية والأجنبية في نشر تفاصيل الفيلم الوثائقي الذي قدمته البي بي سي عن العالم السري لمعمر القذافي الذي أسمته “الكلب المسعور”، ومن خلال الوثائق وشهادات الشهود قدمت عددا من الجرائم التي لا يمكن أن تكون لها سوابق في تاريخ التعامل بين أي حاكم وشعبه.

المفارقة أن هذه الهيئة الإعلامية العالمية المحترمة المسماة البي بي سي، وغيرها من مؤسسات ثقافية وإعلامية في بريطانيا وفي غير بريطانيا، لم تكن إطلاقا تظهر أدنى حد من التعاطف مع الشعب الليبي في الجرائم التي كان يرتكبها القذافي، وكان حدها الأقصى الصراخ بكلمة الذئب كلما جاء ذكر سلاح كيميائي، أو تمويل لتجمع إرهابي، أو جريمة من جرائم القذافي طالت إنسانا غير ليبي، مثل جريمة لوكربي، التي لم تكن الإدانة فيها كاملة للقذافي، ولم تكن رغم القرائن والأدلة على تورطه الشخصي مع الفاعلين، تصل إليه كلمات الإدانة وإنما تقتصر على بعض عملائه وأجهزته، ودعك من قنوات إعلامية ذات سمعة عالمية مثل الجزيرة، فقد كانت أمواله تشتري له مكانا في نشراتها، وتشتري له مساحة لإذاعة الهراء الذي يقوله في خطبه المطولة، وفي رحلاته إلى دول حزام الفقر الأفريقي، ونراه يرتكب المهازل التي تظهر في هذه القنوات، باعتبارها من المكارم والإنجازات والأيادي البيضاء على هذه الشعوب، مثل مروره في شوارع مدينة أفريقية فقيرة، وهو يرمي الدولارات على رؤوس مستقبليه، وهم يلتقطون هذه الأوراق النقدية، في مشهد يشكل عارا عليه وعلى مستقبليه وعلى الدولة التي سمحت له بذلك.

وطبعا لم يكن غريبا أن تخترق أموال القذافي الطبقات السياسية، فنرى توني بلير يأتي إلى الخيمة، وهو رئيس وزراء بريطانيا قبل خروجه من الحكم، ليؤمن لنفسه منصب مستشار بملايين الدولارات، كما صرح بذلك ابن القذافي المدعو سيف، ويأتي معه في إحدى الزيارات بمدير شركة بي بي ليضمن لنفسه عمولة بمئات الملايين، ولا أن نرى برودي الإيطالي يستضيفه وهو أمين عام الاتحاد الأوروبي في بروكسل، ليستطيع تأمين التمويل الكافي لحملته الانتخابية في الفوز بمقعد رئيس وزراء إيطاليا، بعد زوال المنصب الأوروبي طبعا، ولم يكن برلوسكوني نائما على أذنيه وهو يرى برودي يفوز بكعكة القذافي، فيسعى لينال هو أيضا نصيبه، وربما استطاع افتكاك الكعكة كلها لنفسه.

لم يكن هذا غريبا في عالم الساسة والسياسيين، حيث تعود القذافي أن يشتري سكوت أهل السياسة، وسكوت المؤسسات الإعلامية بأموال منهوبة من الخزانة الليبية العامة، وكان المرعب حقا، أن تدخل مؤسسات ثقافية عريقة سوق النخاسة القذافية، ويرى العالم إحدى أعظم قلاع الفن الموسيقي الأوبرالي، وهي دار أوبرا لندن العريقة، تعرض مسرحية غنائية للإشادة بهذا الذي يسميه الإعلام البريطاني اليوم “الكلب المجنون”، في عمل غير مسبوق في تاريخ التعامل مع ساسة العالم بما في ذلك عظماء بريطانيا أنفسهم، وتحمل المسرحية الغنائية اسما مباشرا صريحا دعائيا لإرضاء دافع الأموال الليبي، هو “القذافي السطور الحية”.

ولهذا أقول إن سوق النخاسة كان للأسف كبيرا، وكانت أموال ليبيا المنهوبة التي يستعملها القذافي في شراء الولاء تسيل لعاب أهل الغرب، فأية مصداقية يمكن أن تفوز بها البي بي سي اليوم، وهي تطلق هذا الفيلم الوثائقي عن الجرائم المرعبة للقذافي، وكان هذا الحصار الإعلامي شاملا إلى حد يصعب اختراقه، وسأضرب مثلا بأناس أحياء من أهل الغرب، أصدقاء حميمين كنت أمنحهم ثقتي، وأصارحهم وأنا المستشار الإعلامي لسفارة ليبيا في لندن، بالمأساة التي يعيشها الشعب الليبي تحت سلطة القذافي، وبين هؤلاء الأصدقاء كتّاب كبار انتقلوا إلى رحمة الله، لن أذكرهم لكي لا يقال إنني أستشهد بالأموات، وإنما بالأحياء، وسأختار اثنين من كبار أهل المهنة وأصحاب النجومية، أحدهم الصحفي اللامع والكاتب الشهير باهتمامه بالشرق الأوسط باتريك سيل، فكنت أفصح له عما أعرفه من جرائم القذافي، وأذكر له القرائن والأسماء، وكان الرجل حريصا على التوثيق يقوم بإخراج القلم والورق ويكتب ما أقوله له، لكنني أراه يحمل بعض الشك لأنه لا يكاد يصدق هذه الفظائع وهو يعلم أنه لا مصلحة لي في ذلك، بل إنني أخاطر بحياتي نفسها، لأنني موجود في لندن للدعاية له لا ضده.

والثاني واحد من أعظم أدباء بريطانيا وأكثرهم شهرة، ويعرف ليبيا جيدا لأنه سبق أن قام بالتدريس في جامعاتها أيام الملكية، هو الشاعر العملاق انثوني ثويت، وكان بسبب ما يراه من دعاية للقذافي يعجز أحيانا عن تصديق ما أقوله له، وإحدى هذه القصص التي أوردها تقرير البي بي سي في هذا البرنامج الأخير عن جرائمه هي إسقاطه لطائرة ليبية كانت تسافر من بنغازي إلى طرابلس، بما فيها من مسافرين ليبيين مع عدد من ضيوف ليبيا الأجانب، عن سبق إصرار وتعمد، ليقول إنها سقطت بسبب الحصار الغربي الذي يمنع شراء قطع الغيار، والرجل ما زال حيا يرزق وصارحني أنه لا يستطيع تصديق هذه القصة، لأنها لو كانت كما أقول لما سكت عنها العالم، لأن هناك شركات تأمين تستطيع أن تعرف السبب، وهناك أقمار صناعية يمكن أن تظهر صور القصف الذي تعرضت له الطائرة. واتهمني وهو الصديق العزيز بأن الحقد على القذافي أعماني حتى صرت أفبرك ضده الجرائم التي لا يتصور العقل حدوثها.

(ومع ذلك أبى القدر إلا أن يجعلني استشهد بالأموات، فبعد كتابة هذا المقال، نعى الناعي عميد محرري الشؤون العربية في الصحف البريطانية باتريك سيل الذي كان صديقا عزيزا رحمه الله وأحسن إليه)


كاتب ليبي

9