العالم العربي على خطى القوى الكبرى نحو آسيا

منذ تحررها من عباءة الاتحاد السوفيتي، باتت آسيا الوسطى تحظى بأهمية بالغة على مختلف الأصعدة لتحقيقها مكاسب اقتصادية وسياسية جعلتها من مطامع القوى الإقليمية الجديدة ومسرحا للبحث عن نفوذ لما تمثله هذه المنطقة المتنوعة عرقيا من عمق استراتيجي، ورغم أن العلاقات العربية بجمهوريات آسيا الوسطى تاريخية عريقة بسبب الروابط الاستراتيجية والاقتصادية بين الجانبين، إلا أن انخفاض التعاون التجاري والاستثماري معها يشكل ظغوطا جديدة على المصالح العربية الاستراتيجية، وهو ما يستوجب وفق مراقبين ضرورة استعادة التنسيق والتحالف للحد من النفوذ الإيراني المتسع من جهة والخطر الإرهابي المتربص بالأمن القومي لهاته المساحات الجغرافية من جهة أخرى.
الثلاثاء 2016/12/06
الترحيب بالتعاون العربي

ليس من قبيل المصادفة أن يرتبط تاريخ آسيا الوسطى في تصورات أذهاننا بكبريات طرق التجارة القديمة، على غرار أحد فروع طريق الحرير الذي انطلق من الصين لنقل البضائع التجارية نحو آسيا الوسطى، وبلاد الفرس، والعرب، وآسيا الصغرى، وأوروبا، وأفريقيا، إذ أخذت هذه المناطق طابعا مهما في الفضاءات الجيوسياسية، فهي تشمل القلب الأوراسي الواسع الذي ظل قريبا من مختلف الإمبراطوريات التاريخية العربية، والصينية، والعثمانية والفارسية والبريطانية، والروسية، حيث اعتبرها عالم الجغرافيا السياسية هالفورد ماكندر(1861-1947) “جزيرة العالم “، وقلبه النابض، من يتحكم فيها يرث موطن القوة في العالم ويسيطر عليه.

لكن هذه الأهمية اليوم ازدادت وكبرت كثيرا منذ الخروج من عباءة الاتحاد السوفيتي بأقل الأضرار الممكنة، فهي تقع على تخوم الحدود مع الصين، وروسيا، وإيران وأفغانستان، وتحدد رقعتها الجغرافية ست جمهوريات تعد امتدادا لتراث الشرق الأوسط وهي: كازاخستان، وقيرغزستان، وأوزبكستان، وتركمنستان، وأذربيجان، وطاجيكستان، (وأرمينيا في نظر بعض الخبراء)، وتشترك جميعها في إرث حضاري إسلامي طبعها منذ عدة قرون، ومازالت تحافظ عليه من خلال مدن تاريخية كبخارى، وسمرقمند، وطشقند، وأستانة، ودوشانبي، وعشق أباد، وباكو، وبالرغم من أن لدى كل منها هوية تاريخية خاصة.

انخفاض التعاون التجاري بين الجانب العربي وآسيا الوسطى يرجع إلى ضعف الاتصال وغياب قنوات التبادل

وأصبح باديا للعيان، أن آسيا الوسطى ومنطقة الشرق الأوسط منذ الإعلان عن طريق الحرير الجديدة-المستقبلية أصبحت تحظى بأهمية بالغة، باعتبارها تقاطعا وممرا ضروريا للوصول إلى أوروبا، وشمال المتوسط، وأفريقيا عبر منافذها البرية والبحرية، وهو ما يثير تساؤلات لدى المراقبين حول دور مشترك للدول العربية وبلدان آسيا الوسطى في هذه الاستراتيجية الكبيرة، وهل سيلعب العرب دورا رياديا للامتداد شرقا وتأكيد هذا التقارب، وتعزيز العلاقات الروحية والإنسانية والاقتصادية بالسعي إلى تبني مواقف سياسية مشتركة، والمساهمة سويا في القضاء على الفقر وإزالة تربة التطرف والإرهاب، بحيث تحتل آسيا الوسطى بموقعها الجغرافي مكانة مهمة في استراتيجية منظمة شنغهاي، وثمَة إعادة ربط قوية بين دول الاتحاد الأوروبي بآسيا الوسطى مؤخرا، تتجلى مليا في الحزام الاقتصادي لطريق الحرير الجديد على خطين رئيسيين، الخط الأول يربط بين الصين وأوروبا مرورا بآسيا الوسطى وروسيا، فيما تحتل بلدان الخليج العربي دورا مهما في الخط الثاني يمتد من الصين إلى منطقة الخليج، والبحر الأبيض المتوسط مرورا بآسيا الوسطى، وغربي آسيا.

ومن ثم، هل ينسق العرب ومسلمو آسيا الوسطى دورهم في هذه المبادرة أو غيرها؟، وما هي طبيعة هذا الدور في الاصطفاف المقبل دون شك مع الصين أو الولايات المتحدة؟، وما أهمية التحالف مع آسيا الوسطى بالنسبة إلى الاضطرابات التي تعيشها أو تواجهها المنطقة؟ وكيف يمكن أن يشكل هذا التحالف قاعدة لمشاورات متعددة الجوانب بخصوص تحجيم أخطبوط الدور الإيراني المتسع، والالتفاف عليه، خاصة وأن الدولة الصفوية في حربها على الدولة العثمانية، أضافت سابقا إلى التباين العرقي واللغوي بينها وبلاد آسيا الوسطى حاجزا إضافيا، هو حاجز المذهب الديني.

آسيا عمق استراتيجي

بحكم أن هذه المنطقة حبيسة المنافذ ومنغلقة جغرافيا، فإنها ستعمل على الدوام لفك عزلتها والانفتاح على العالم الخارجي، لكنها في هذا المسعى تحاول دائما احتواء تكالب القوى الكبرى، وإحلال التوازن في علاقتها مع الصين، وروسيا، وأميركا، والاتحاد الأوروبي، حيث تمثل السيطرة على موارد المنطقة وبنيتها التحتية من أولويات هذه الدول من جهة، أما على المستوى الداخلي، فإن دول آسيا الوسطى استطاعت إلى حد الآن أن تجعل من تنوعها الإثني، والقبلي مصدر قوة في مواجهة الحركات المتطرفة، ومنع تسربها إلى مجتمعاتها من جهة أخرى.

آسيا الوسطى شكلت العمق الاستراتيجي في تعقب أنصار القاعدة في الجبال الأفغانية، فالوضع الجغرافي في كراشي الباكستانية كان متأرجحا من ناحية تأمين الدعم اللوجستيكي المنتظم للحلفاء

وبسبب التناحر الأفغاني، ومنذ إعلان ولاية خراسان، ظهرت الكثير من الحركات الإسلامية المتطرفة كحركة طالبان والقاعدة، حيث أعلنت مؤخرا حركة أوزبكستان الإسلامية المتشددة اصطفافها مع تنظيم داعش. وشكلت آسيا الوسطى العمق الاستراتيجي في تعقب أنصار القاعدة في الجبال الأفغانية، فالوضع الجغرافي في كراشي الباكستانية كان متأرجحا من ناحية تأمين الدعم اللوجستيكي المنتظم للحلفاء، نظرا لما كان يحيط بممر خيبر الذي يربط بين بيشاور من الجانب الباكستاني، وجلال أباد وكابول من الجانب الأفغاني من خطورة.

ومن المؤكد أن “وادي فرغانة” كمسرح لهذه الحركات، يطل على غرقيزستان شرقا، ويضم محافظات غرقيزية من قبيل أوش، وجلال آباد، وباتكين، وتجاوره طاجيكستان جنوبا ويضم محافظة سغد الطاجيكية، أما أوزبكستان فتقع غربي الوادي الذي يضم محافظات فرغانة ونمنجان وأنديجان. إن هذا التلاقي الحدودي المعقد بين الدول الثلاث وصعوبة التحكم بالحدود المتداخلة بين هذه البلدان في وادي فرغانة، مهد الظروف الجغرافية والاجتماعية لنمو الحركات الإسلاموية المتطرفة في قلب آسيا الوسطى. وكانت أفغانستان دائما هي المنفذ وخاصة عبر مدينتي “ترمذ” و”طراز” الأوزبكيتين، والإنتقال إلى وادي فرغانة البعيد عن عواصم البلدان الثلاثة إلى حد ما والمحاصر بجبال شاهقة ووعرة المسالك.

غير أنه ثمَة معطى جيوسياسي جديد، يدفع اليوم نحو اعتراف متزايد بآسيا الوسطى كطرف أساسي في مسرح التنافس على مخزون بحر قزوين من الطاقة، وكأحد روافد أمن الطاقة الصيني الاستراتيجي القريب، فهي في الأدبيات الاستراتيجية الصينية تشكل تركستان الغربية تمييزا لها عن تركستان الشرقية التي يطلق عليها اليوم شينج جيان، ويسكنها غالبية من مسلمي الأويغور، وهي في نفس الوقت مسرح للعمق الاستراتيجي والنفوذ السياسي الروسي، وتعد أيضا منطقة عبور للتهريب والجريمة المنظمة، والتطرّف الديني، مما دفع البعض إلى وصف منطقة تجتمع فيها كل هذه الصفات بحلبة المباراة الكبرى الجديدة بين روسيا، والدول الغربية، والصين.

تنوع اقتصادي

وجود دول آسيا الوسطى في أي منظمة إقليمية أو دولية سيشكل اختلالا واضحا في موازين القوى لغير العرب في غياب روابط قوية اقتصادية وثقافية تساعد هذه البلدان الآسيوية في الحفاظ على إرثها الإسلامي

إذا كانت آسيا الوسطى مسرحا للصراع على النفوذ والتنافس السياسي، فإنها من الناحية الاقتصادية تشكل سوقا واعدا يبلغ سكانه 70 مليون نسمة، وتشكل مورد طاقة مهمة من البترول والغاز تأتي ثانية في درجة الأهمية بعد الشرق الأوسط، وتقدرها الإحصائيات بـ60 بليون برميل من النفط و205 بلايين قدم مكعب من الغاز الطبيعي، بالرغم من صعوبة الاستخراج والنقل، وعمق الآبار النفطية، وجودته المتواضعة (وجود كبريت).

وتثير الموارد الاقتصادية الأخرى مصالح القوى الكبرى لكونها كنزا معدنيا ثمينا يحتوي على الذهب، واليورانيوم، والنحاس، وخامات الحديد، والبوكسيت، والكوبالت والرخام، والزنك، بحيث إذا كانت طبيعة الجغرافيا فرضت العزلة على هذه الثروات، فإنها على غير ذلك على المستوى الدبلوماسي. ولا تزال على علاقة وثيقة بروسيا والصين، من خلال مجموعة الدول المستقلة التي ترعاها روسيا، ويشترك فيها الجميع، وهي اليوم دخلت في الاتحاد الاقتصادي الأوراسي الشبيه بالاتحاد الأوروبي، والذي يضم إليه أيضا روسيا البيضاء وأرمينيا، حيث كانت كازاخستان أول بلد مشارك، وتبعتها بالتدريج سائر البلدان الأخرى.

وبالنسبة إلى الصين، فهي تحاول إحياء طريق الحرير القديمة، تحت شعار جديد حزام واحد، طريق واحد وهو ممر بري يريد الوصول إلى آسيا الوسطى، والشرق الأوسط وأوروبا، وتشترك البلدان الستة جميعا في انتمائها إلى منظمة التعاون الإسلامي الذي يتضمن 57 دولة مسلمة، مما مكنها من الالتفاف على الحضور الثقيل للقوى الكبرى المحيطة بها، وإيجاد شراكة مع الجنوب.

وفي المقابل، يبدو أن واقع انخفاض التعاون التجاري والاستثماري بين الجانب العربي ودول آسيا الوسطى يرجع إلى ضعف الاتصال وغياب قنوات التبادل الرسمية والشعبية، لذلك حان الأوان لوضع مشاريع مشتركة للتعاون الاقتصادي، وزيادة التجارة البينية والاستثمارات المشتركة، حيث النفوذ العربي في أفول، كما أن وجود دول آسيا الوسطى في أي منظمة إقليمية أو دولية سيشكل اختلالا واضحا في موازين القوى لغير العرب في غياب روابط قوية اقتصادية وثقافية تساعد هذه البلدان الآسيوية في الحفاظ على إرثها الإسلامي المعتدل وبناء هويتها الجديدة، مما ستترتب عنه في غيابه ضغوطًا جديدة على المصالح العربية الاستراتيجية.

باحث في جامعة السوربون

6