العالم العربي: عوالم متعددة الولاءات

العامل الأكبر الذي أضعف التماسك النسبي بين الدول العربية، يرتبط بعدم المواجهة الفعلية للأزمات التي مرت بها المنطقة على مدار السنوات الماضية.
الثلاثاء 2018/05/01
عوالم عربية

أمة واحدة، رسالة خالدة، تحيا الشمس العربية، من المحيط إلى الخليج، القومية العربية.. مفردات لم يعد الجيل الحالي يسمع عنها أو حتى يلتفت إليها إذا مرت على مسامعه بالصدفة عبر أغنية تبثها إحدى الإذاعات عن غير قصد للمطرب المصري الراحل عبدالحليم حافظ.

ظلت هذه النوعية من الشعارات تلازم الجيل الذي سبقني لفترة طويلة. استخدمها بعض الحكام لدغدغة مشاعر المواطنين للبقاء على كراسي الحكم، منهم من انجرف خلفها، وكان صادقا ومعه أمنيات حقيقية.

طرحت الكاتبة ناهدة بركات في مقال لها بـ”الغارديان” نشر في 18 أبريل الماضي، نقطة جدلية حول “العالم العربي” و”العرب”، ورأت أن استعمال مصطلحات كهذه لوصف 381 مليون شخص من 22 دولة على أنهم “مجموعة واحدة ومتجانسة تضليل وتوصيف غير دقيق”.

ربما تكون الكاتبة، وهي من أصل لبناني، محقة في تقديرها، لأن ما يجري في المنطقة العربية اليوم يكبح أي مواطن يخطر على باله الحلم بعالم عربي واحد. الأزمات العربية لا توجد لها معالجة واحدة أو رؤية متقاربة. لدينا الآن نحو 22 موقفا عربيا. كل دولة عندها حسابات تختلف عن الأخرى. بعض الدول، وإن أظهرت تقاربها السياسي معا، تجدها متباينة في التفاصيل، فما بالنا بالدول المختلفة أصلا؟

جميع الأفكار التي سعت لإنقاذ الجامعة العربية، باعتبارها مظلة رمزية، دخلت غرفة العناية الفائقة. الطروحات التي تبنتها بعض الدول العربية  لتكوين تحالف عسكري يستطيع التعامل مع المستجدات عرقلتها دول عربية أخرى، رأت أنها لا تتماشى مع مصالحها ولا تحقق طموحات الحلفاء خارج المنطقة العربية.

وفي هذا الصدد، يذكر أن العاهل الأردني الملك عبدالله الثاني كان قد قال في حوار مع السي إن إن، على هامش منتدى دافوس في يناير الماضي، “في داخل دولنا بدأنا نقول حسنا، أنا لدي هموم عربية، لكنني – في واقع الحال– أردني، وأنا أهتم بالقضايا الأردنية. أنا لبناني، وأهتم بالقضايا اللبنانية.. إلخ. لذا، يستغرق الأمر بعض الوقت إلى حين أن يتجاوز الجميع مشاعرهم الوطنية ويعودوا وينظروا، كما هو الحال في أوروبا، إلى الصورة الأكبر..”.

جميع الأفكار التي سعت لإنقاذ الجامعة العربية من وضعها الحالي، باعتبارها مظلة رمزية، دخلت غرفة العناية الفائقة

هذا الكلام ينطوي على دلالات كثيرة، تحتاج أكثر من مقال لتفسيرها وتحليلها، لكن الخلاصة هي علينا أن نتوقف عن الخداع ونواجه الأزمة بصراحة. المسألة تتجاوز حدود التباين في اللهجات العربية، لأن الفصحى تظل جامعة.

المشكلة في تشرذم المصالح، الذي أدى إلى اختلافنا على القضية المركزية التي أصبحت هامشية، مقارنة بما نراه من أزمات معقدة، في سوريا وليبيا والعراق واليمن ولبنان وسوريا، ناهيك عن الصومال والسودان. جزء كبير من نكبة هذه الدول العجز العربي وتضارب الولاءات، الذي منح الفرصة لدول من خارج الإقليم العربي للتحكم في مصائره.

قال السفير نبيل بدر، عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، إن العالم العربي لم تعد صورته التي تجتمع تحت لواء واحد موجودة الآن، ويرجع ذلك إلى تفاوت المصالح بصورة لا تشكل انسجاما في المواقف المشتركة. في الوقت الذي تتهافت فيه بعض الدول على قوى دولية كبرى نجدها تنحاز لقضايا ضد المصالح العربية، مؤكدا أن “علاقات الدول العربية المتباينة بالولايات المتحدة أكبر دليل على ذلك”.

وأوضح، في تصريحات لـ”العرب”، أن هناك جملة من المشاكل تدفع في هذا الاتجاه، في مقدمتها “انشغال الدول العربية بالمشاكل الواردة إليها عبر الحدود نتيجة لعوامل كثيرة تفاقمت منذ اندلاع ثورات الربيع العربي، بجانب الاضطراب الحاصل في تحديد أولويات العمل”.

لم تعد المنظومة العربية راغبة في الاتفاق على تفاهمات معينة، فضلا عن عدم توافر الإرادة السياسية الكافية للوصول إلى رؤية مشتركة. الأزمة تضاعفت مع تزايد الشروخ التي أحدثها تصاعد تيار الإسلام السياسي والتكفيري في المنطقة العربية، ونجاح معاوله في هدم جانب معتبر من الثوابت الرئيسية، جعلت مجرد الإشارة إلى عالم عربي ضربا من الخيال.

ازداد تضخم هذه الميول، مع تعرض المساحات المشتركة بين الدول العربية للتآكل جراء ضعف العمل الجماعي، وتجرؤ دول إقليمية، مثل إيران وتركيا، على التحرك في الداخل العربي بصورة غير مسبوقة.

العامل الأكبر الذي أضعف التماسك النسبي بين الدول العربية، يرتبط بعدم المواجهة الفعلية للأزمات التي مرت بها المنطقة على مدار السنوات الماضية، ما أضعف مصداقيتها بالنسبة لقناعة الشعوب.

12