العالم العربي في حاجة إلى انتفاضة تعليمية تواكب التطور التكنولوجي

المنظومة التعليمية بالمنطقة العربية غير قادرة على مواكبة المتغيرات الديناميكية التي تشهدها المنظومة الاقتصادية عالميا في ظل تعميق نظم الذكاء الاصطناعي في عمليات التشغيل.
الثلاثاء 2019/04/16
التكنولوجيا باتت جزءا من العملية التعليمية

على الرغم من سلسلة الإصلاحات، ظلت منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تعاني من انخفاض مستويات التعلم والمهارات، ويشدد البنك الدولي على ضرورة مواكبة أنظمة التعليم بالمنطقة لتكنولوجيا الذكاء الاصطناعي لإفراز كفاءات قادرة على مواكبة المتغيرات الجديدة في سوق العمل، بدلا من الإصرار على نظم تعليم تقليدية باتت عبئا على الأفراد والحكومات.

واشنطن - تواجه أنظمة التعليم في المنطقة العربية جملة من التحديات، أبرزها كيفية التأقلم مع الثورة التكنولوجية السريعة التي باتت ركيزة في عملية التعلم في الدول المتقدمة، وشرطا لاكتساب الطلبة مهارات جديدة.

وفي حواره مع “العرب” أكد ميرزا حسن المدير التنفيذي بالبنك الدولي أن الدول العربية في حاجة ماسة إلى تطوير منظومة التعليم بما يتلاءم مع متطلبات سوق العمل خلال الفترة المقبلة، لافتا إلى أن المنظومة التعليمية بالمنطقة العربية غير قادرة على مواكبة المتغيرات الديناميكية التى تشهدها المنظومة الاقتصادية عالميا في ظل تعميق نظم الذكاء الاصطناعي في عمليات التشغيل بالمؤسسات والمنشآت الصناعية.

وأكد أن العالم العربي مطالب بتوفير 300 مليون فرصة عمل خلال الـ30 عاما المقبلة، وبمتوسط 10 ملايين فرصة عمل سنويا، الأمر الذي يعد تحديا جديدا لا يمكن مواجهته إلا ببناء الثروة البشرية على أسس تتوافق مع المتغيرات الجديدة.

 ودعا إلى انتفاضة تعليمية في المنطقة العربية تواكب مع الزيادة السكانية الهائلة، تلبي مخرجات التعليم واحتياجات سوق العمل بدلا من زيادة نسب البطالة بسبب حالة الانفصال بين الواقع ونظم التعليم. وأظهرت دراسة أعدها البنك الدولي حول التعليم في المنطقة العربية انفصالا تاما بين التخصصات في مجال الماجستير والدكتوراه وسوق العمل، وبالتالي فإن مخرجات هذه الدرجات العلمية أصبحت عبئا على أصحابها والدولة معا، نظرا للصعوبات التي تواجه توظيف هذه الفئات.

ميرزا حسن: منظومة التعليم العربية غير قادرة على مواكبة المتغيرات الديناميكية التي يشهدها الاقتصاد العالمي
ميرزا حسن: منظومة التعليم العربية غير قادرة على مواكبة المتغيرات الديناميكية التي يشهدها الاقتصاد العالمي

وأكد أن تطوير المنظومة التعليمية يعزز من قدرات الأفراد على المطالبة بحقوقهم بطرق حضارية، ضاربا المثل بالتجربة التونسية في التعليم والاحتجاجات السلمية للمطالبة بالحقوق، كما أن غياب تلك الثقافة يزيد الأمور عنفا وينذر بالويل للمجتمعات الأقل قدرا في التعليم.

وحذر المدير التنفيذي للبنك الدولي من أن التطورات التكنولوجية المتلاحقة سوف تؤدي إلى الاستغناء عن ثلثي فرص العمل، مما يعد تحديا جديدا في عمليات التشغيل والتوظيف في المنطقة العربية التي تعج بالبطالة، لاسيما في سن الشباب.

وشدد على أن التحدي هو كيف يمكن بناء اقتصاد معرفي يستطيع مواجهة هذا التطور، خلال السنوات العشر المقبلة.

وأوضح أن النظم التعليمية في العالم العربي أصبحت تضيع سنوات من عمر الدارسين في مناهج تقليدية، ودلل على ذلك بأن البنك الدولي كان في زيارة إلى وادى السيليكون في سان فرانسيسكو وقام شاب عمره 17 عاما بإلقاء محاضرة عن التطور التكنولوجي خلال الفترة المقبلة لجميع مدراء البنك.

وقال إن الدول العربية بحاجة إلى مثل هذا النموذج، بدلا من الوضع الحالي الذي يؤكد أنه كلما زاد الفرد تعليما وجد صعوبة في الحصول على الوظائف.

ولفت ميرزا “إلى أن النظم التعليمية القوية تعزز من إفراز كوادر قادرة على بناء مؤسسات الدولة، بغض النظر عن توافر الأموال في تلك الدول أم لا”، مستشهدا بما حدث في ليبيا، حيث كانت تمتلك الأموال لكن غياب المؤسسات القوية لم ينقذها من الانهيار الذي طالها.

ورصدت دراسات البنك الدولي تراجعا في قدرة 60 بالمئة من الطلاب في المنطقة العربية على التحصيل الدراسي، بسبب أمراض سوء التغذية في سن مبكرة لدى الأطفال في عدد من الدول العربية، مقارنة بنظرائهم في الدول ذات الدخل المرتفع. وحذر من مخاطر تصاعد معدلات الديون الحكومية في المنطقة العربية على العملية التعليمية، بعد أن أصبحت عند مستويات تدعو إلى القلق وتحتاج إلى خطط محكمة وفق برامج زمنية لمواجهة هذا العجز الذي يشوه هيكل موازنة البلاد ويأتي على برامج الحماية المجتمعية للأفراد.

وبلغ متوسط الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي في الدول متوسطة الدخل حوالي 11 بالمئة في نهاية عام 2018. وتكشف هذه النسبة عن وجود أموال كثيرة متاحة للاقتراض على الساحة العالمية، فضلا عن أن الاقتراض أصبح أمرا سهلا، وهي مسألة تؤرق المؤسسات الدولية، وعلى رأسها البنك الدولي.

وتعكس موجة التوسع الجامح في الاقتراض الخارجي صعوبات تواجه عمليات الإصلاح فى الدول، وبينها المستوى التعليمي، الأمر الذي جعل الحكومات تبحث عن الحلول السهلة لتدبير الأموال لمواجهة احتياجاتها المالية بدلا من مواجهة الشعوب بإجراءات إصلاحية قد تكون قاسية، لكنها تحفظ حقوق الأجيال المقبلة وتضمن نموا اقتصاديا مستداما للبلاد.

وأشار ميرزا إلى أن هناك متغيرات طرأت على الساحة العربية جعلت البنك الدولي يركز على تبعاتها، ومنها زيادة أعداد اللاجئين وتأثيرها على انخفاض مستوى التحصيل الدراسي والتعليم عموما، حيث بدأ البنك في رصد ميزانية لمساندة هذه الفئات والتي زادت بعد ثورات ما سمي بالربيع العربي.

وتتصدر قضايا التعليم واللاجئين وتمكين المرأة والتغيرات المناخية والتنمية المستدامة أولويات استراتيجية البنك خلال الفترة المقبلة.

وقال إن البنك الدولي رصد نحو مليار ونصف مليار دولار لدعم اللاجئين في كل من الأردن ولبنان، في مجالات الرعاية الصحية والتعليم، ووضع قواعد لهذا الدعم، منها مدى تناسب عدد اللاجئين مقارنة بعدد السكان، إضافة إلى مساندة الدول التي تتحمل تكلفة استضافة أشقائهم.

ويصل عدد اللاجئين في الأردن إلى نحو 1.5 مليون لاجئ، بينما وصل العدد في لبنان إلى نحو ميلوني فرد. وقام البنك برصد نحو مليار دولار للأردن، بينما وصلت حزمة التمويل إلى لبنان إلى نحو ملياري دولار. ويضع البنك الدولي قواعد للمساعدة على رأسها مدى تناسب عدد اللاجئين مع عدد سكان الدولة المستضيفة.

وقدر البنك الدولي عدد السنوات التي يقضيها اللاجئ وفقا لبيانات البنك الدولي بنحو 16 عاما في الدولة التي تستضيفه، وبعدها قد يقرر العودة إلى وطنه.

ضرورة  إدماج اللاجئين في المدارس وتطوير مهاراتهم
ضرورة  إدماج اللاجئين في المدارس وتطوير مهاراتهم

وأشار إلى أن أحداث سوريا دمرت جيلا من الشباب وتسربوا من التعليم الأمر الذي يتطلب تأهيل هذه الأعداد من خلال مشروعات صغيرة أو صقل مهاراتهم بما يحفز على توظيفهم في مختلف المشروعات.

وبين أن معظم اللاجئين بالمنطقة العربية يتهربون من التعليم والتحصيل الدراسي ويعملون في القطاع الزراعي وليست لديهم أي مهارات، فضلا عن ارتفاع فاتورة الرعاية الصحية لعدد كبير منهم، الأمر الذي بات يضغط على موازنة الدول المستضيفة مثل لبنان والأردن.

ونصح ميرزا حسن المدير التنفيذي بالبنك الدولي الدول العربية في ختام حواره مع “العرب” بأهمية بناء طبقة متوسطة قادرة على تحريك مفاصل الاقتصاد بشكل قوي، وأنه على الحكومات تقديم منظومة اقتصادية تعزز من بناء هذه الطبقة التي أتت عليها أحداث نالت من صمودها.

وتابع بقوله “استقرار سعر العملة والتقلبات الاقتصادية وإصلاح المنظومة التعليمية والصحية إجراءات تعزز هذه الطبقة، وتبني حائطا حمائيا للطبقات الدنيا، لأن بناء الإنسان العنصر الحاكم في هذه المنظومة، وهو ثروة بالنظر إليه على أنه عبء على الأنظمة الاقتصادية”.

17