العالم العربي: كيان حقيقي أم مصطلح يتعسف على اللغة والتاريخ

مصطلحات مثل "عربي" و"عروبة" يستخدم من قبل الإسرائيليين للإشارة إلى الفلسطينيين، لوضعهم في قالب الاختلاف، وارتكاب أفظع الجرائم الوحشية ضدهم.
الثلاثاء 2018/05/01
العروبة تمشي حافية في الشارع العربي

لندن -  طرحت الكاتبة ذات الأصول اللبنانية، ناهدة بركات، في مقال رأي نشر في الغارديان، نقطة كانت ولا تزال تثير الجدل حول العالم العربي، إذ ترى بركات  أن استعمال مصطلحات مثل “العرب” و”العالم العربي” لوصف 381 مليون شخص من 22 دولة على أنهم مجموعة واحدة ومتجانسة، “تضليل وتوصيف غير دقيق”.

وقالت الكاتبة إنه ومع استمرار اندلاع الصراعات في سوريا وفلسطين واليمن والعراق وكذلك الهدوء الغامض الذي يعم بقية دول الشرق الأوسط، فإن “المصطلحات اللغوية التي نستخدمها في تغطية هذه المنطقة لا تعيق فهمنا للقضايا فحسب، بل إنها تسيء أيضا إلى السياسات الإستراتيجية”.

وتمضي الكاتبة مستشهدة بتجربتها الخاصة كصحافية معنية بتغطية الأحداث الدولية، حيث رأت أن كل ما يشير إلى منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ينحسر في وصفها كمجموعة عرقية واحدة، في المقام الأول لأن دول هذه المنطقة “تتحدث لهجة عربية، تتكون من 35 لكنة مختلفة عبر المنطقتين”.

الذين يستخدمون اللغة العربية كتابة وقراءة ومحادثة، هل يمكن أن نطلق عليهم تسمية “العرب” ككتلة بشرية ووحدة ثقافية تمتد على جغرافيا محددة، ويمكن أن تشكل كيانا سياسيا؟

القضية ليست طبعا بهذه البساطة والاستسهال، وهي غاية في التعقيد، ذلك أنها تفصح عن أسئلة سياسية صريحة وأخرى مبطنة.

وللمزيد من الدقة والحذر في استخدام تسمية “عربي”، كان ينبغي تعقب أصل الكلمة وتاريخ ظهورها، كي لا يضع المرء كل الثقافات والأعراق التي تمتد على هذه المساحة المتسعة من الخليج إلى المحيط، في سلة واحدة.

وفي هذا الصدد يقول روبرت هويلاند، أستاذ علم الآثار والتاريخ في جامعة نيويورك، والذي أمضى وقتا طويلا في سوريا واليمن حتى بدأت الحروب، إن الإشارة الأولى إلى مصطلح “عربي” ظهرت في الكتاب المقدس عام 834 قبل الميلاد وأن “السلالة العرقية كانت توجد في سوريا تحت تدمر وأعلى المملكة العربية السعودية، أي في الصحراء بينهما”.

مصطلحات مثل “عربي” و”عروبة” لم تلعب دورا ذا قيمة حتى حرب عام 1967 مع إسرائيل لإعطاء فكرة عن قوة عسكرية كبيرة

ويشرح هويلاند، الذي يدرس الآن في جامعة نيويورك بدبي أن مصطلح “عربي” هو مرجع حديث يعود إلى القرن التاسع عشر كان يُستخدم للانفصال عن الإمبراطورية العثمانية والتميز عن القومية التركية.

ويتابع الباحث بأنه تم تضمين وإقرار هذا المصطلح مع بدء جامعة الدول العربية، ومن ثم ترسّخ وتأكّد في عهد الرئيس المصري جمال عبدالناصر في الخمسينات والستينات، أثناء تبنيه لفكرة الوحدة العربية.

لكن مصطلحات مثل “عربي” و”عروبة” لم تلعب دورا ذا قيمة حتى حرب عام 1967 مع إسرائيل لإعطاء فكرة عن قوة عسكرية كبيرة.

ويضيف هويلاند أن المصطلح في الوقت الحاضر  يستخدم من قبل الإسرائيليين للإشارة إلى الفلسطينيين، لـ”وضعهم في قالب الاختلاف، وارتكاب أفظع الجرائم الوحشية ضدهم، ومحو هويتهم من قوائم المعجم”.

ووفقا لهويلاند، فإن مصطلح “عربي” أصبح أقل شعبية الآن في الشرق الأوسط، وأضاف “لقد حظيت القومية العربية والإسلام بلحظات مجدهما يوما ما”.

العالم العربي أو “الوطن العربي” كما يحلو للقوميين العرب تسميته، يضم منطقتي الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ويتكون من العديد من الدول، ويتحدث كل منها شكلا من أشكال اللهجات العربية، وهي المؤشر الأكثر وضوحا على جنسياتهم. لكن الصحافية ذات الأصول اللبنانية، ناهدة بركات، تقول “اللغة العربية التي يتحدثها سكان شمال أفريقيا غير مفهومة تقريبا للمتحدثين بالعربية من بلاد الشام مثل لبنان”.

وتضيف “في حالة لبنان، يتحدث الشعب اللبناني هناك ما يوصف بالفرنكو عربي، وذلك بسبب التأثيرات الفرنسية على لغته”.

 وأرجعت أصول اللغة اللبنانية إلى الفينيقية أو الكنعانية، والتي كان يتحدث بها أيضا سكان سواحل سوريا وقبرص. وتحذر الصحافية الأسترالية ذات الأصل اللبناني مما أسمته بـ”العقلية العرقية” التي تمزج بين الدول والعرقيات والأديان والثقافات واللغات من خلال الإشارة إلى المناطق، و”ليس العالم الناطق بالعربية”.

وتدلل بركات على كلامها بالقول إننا لا نشير إلى اسكتلندا وأيرلندا وأستراليا وكندا والولايات المتحدة الأميركية على أنها “العالم الإنكليزي” ولكن الأرجح والأصوب هو “العالم الناطق بالإنكليزية”.

وينطبق هذا الأمر على بلدان أميركا اللاتينية الناطقة باللغة الإسبانية لكن العالم العربي يختلف في طبيعته وتركيبته عن هذه المقاربات، وذلك لوجود عدة عوامل مشتركة يندر وجودها في مجموعة لغوية أخرى، بدليل هذا التراكم الهائل في التنظيرات التي تدعو إلى القومية العربية، بالإضافة إلى الحاضنة الشعبية لهذه المسألة.

العالم العربي: عوالم متعددة الولاءات

العالم العربي: حقيقة في الوجدان الشعبي

12