العالم العربي وتحديات الدولة المدنية

السبت 2014/03/22

بدأ الحديث عن الدولة المدنية في النصف الثاني من القرن الثامن عشر قبل الثورة الفرنسية بسنوات قليلة، حيث كانت الدول الأوروبية تعيش وطأة الاستبداد وتواجه حروبا دينية بسبب تسلط الملوك وسطوة الكنيسة فكريا وثقافيا وعانى الشعب اجتماعيا بسبب الطبقية، فظهرت فكرة إيجاد دولة مدنية تكفل الحرية والمساواة عبر فلاسفة ومفكرين أسهموا كثيرا في صناعة قاعدة فكرية شعبية تعزز فكرة الدولة المدنية مثل لوك وهوبز وروسو وغيرهم.

يجمع الكثيرون على أن الدولة المدنية تكون دولة لا دينية ولا عسكرية، فإذا أدار الدولة رجل الدين عبر سلطاته الدينية ففرصة بروز الاستبداد كبيرة لأنه سيحدد خطابه الديني على أنه ممثل الله في الأرض وواجب طاعته وعدم مخالفة أوامره ومعارضته، خصوصا في مجال الدين القابل للاجتهادات الفردية والنقاش والاختلاف حولها. وهذا ما لا يتحقق مع الدولة المدنية التي تدعو إلى التعددية وقبول الطرف الآخر. فالدين ليس أداة للسياسة وتحقيق المصالح، والدولة المدنية ليست ضد الدين، ولكنه يظل في حياة الناس الخاصة فهو عامل بناء الأخلاق ودافع كبير لخلق الطاقة للعمل والتقدم.

ولكي يتم تأسيس الدولة المدنية فهناك عدة شروط ضرورية لقيامها، وهي أولا وجود قانون يحمي حريات وحقوق الأفراد وينظم العلاقات ويحفظها في إطار قانوني، وثانيا المواطنة التي تتعلق بتعريف الفرد الذي يعيش على أرض الدولة، وثالثا أن تقوم السلطة على التعددية وقبول الطرف الآخر والتسامح والمساواة، ورابعا الديمقراطية وهي وسيلة للحكم الرشيد وتفويض السلطة وطرق انتقالها لتحقيق الاتفاق العام.

المتابع لأحداث المسرح العربي يجد أن كلمة الدولة المدنية تتردد دائما عند بروز أية مطالبات شعبية، حيث تكون الدولة المدنية أحد أبرز أعمدة المطالبات، وقد أظهرت ثورات الربيع العربي وما تبعها من أحداث، الحاجة إلى قيام دولة مدنية حديثة تحتوي جميع الأطراف، وتضمن حقوق الشعب المسلوبة من قبل أنظمة متفردة بالسلطة والقرار، ورغم صعوبة تأسيس دول مدنية إلا أن الإرادة أخذت في الظهور لدى أجيال الشباب الفاعلة التي ستؤثر حتما على الأجيال القادمة.

فالتحديات القائمة أمام تأسيس دول مدنية، تبرز من خلال ضعف مستوى الوعي السياسي والثقافي، وبروز الخطاب الديني والمشاكل الاجتماعية والاقتصادية العميقة، وحالة التشتت والفرقة والتشرذم بين أطياف المجتمع الواحد، ورغبة قوى شعبية -بخلفيات دينية أو قبلية أو حتى ليبرالية- في الاستئثار بالسلطة لظنها بأحقيتها بذلك.

فتردي المنظومة التعليمية وحصر الممارسة السياسية لفئة معينة، وغياب حراك سياسي وثقافي الذي تسببت فيه الأنظمة العربية على مدى عقود، ساهم في ضعف مستوى الوعي السياسي والثقافي وأدى إلى التبعية دون وجود فكر حر ينتج روحا نقدية تميز بين الحقيقة والخطأ، وبالتالي تتمكن من الحكم على الأمور وفق المنطق لا بالعاطفة والازدواجية ووفق أهواء السلطة العليا.

ومن أصعب التحديات المواجهة لتأسيس دولة مدنية في العالم العربي هو الخطاب الديني وتأثيره العميق على قطاع كبير من المجتمعات العربية، فبعد ثورات الربيع العربي برزت تيارات الإسلام السياسي والتي غالبا ما أخفقت في إدارة المرحلة الانتقالية واتسمت بالخطاب الديني الموجه للعاطفة.

وهناك تحديات على مستوى المشاكل الاقتصادية والاجتماعية المتعمقة في المجتمعات العربية بسبب سوء توزيع الثروة وغياب العدالة الاجتماعية واحتكار الأسواق والاقتصاد. إلى جانب حالة الفرقة والتشرذم بين أطياف المجتمع لغياب ثقافة الاختلاف والإيمان بالتعددية وقبول الطرف الآخر، فتجد أن هناك تفرقا بين المذاهب أو التوجهات السياسية وصل إلى التفرق بين أبناء المذهب الواحد أو التوجه السياسي الواحد.

ولا يجب أن نغفل أحد أهم التحديات القائمة وهي رغبة الدول الراعية للأنظمة العربية بالاستمرار على نفس النمط التقليدي من الاستبداد والجهل وذلك رغبة في الاستمرار في التحكم السهل بمفاتيح سياساتها واستغلال ثرواتها الطبيعية وتسويق منتجاتها وخصوصا الأسلحة.

رغم جميع التحديات التي يواجهها بناء الدولة المدنية في العالم العربي إلا أن هناك بصيصا من الأمل لا يجب أن تسمح الشعوب بإخماده مهما كانت التضحيات، وأن تستمر الحملات والمبادرات التنويرية لإثراء الفكر الحر وتحرير عقول أفراد المجتمع في العالم العربي لقيم الحرية والديمقراطية.


كاتب وباحث عماني مقيم في بريطانيا

9