العالم الغربي يخون الشعب الإيراني

إيران أسوأ بكثير مما تظهره سياسة الرئيس الأميركي جو بايدن لحد الآن ومن كل ما تقدمه وسائل الإعلام الغربية التي تجعل من الإيرانيين ضحايا لهذا الجهل بمعاناتهم القاسية.
السبت 2021/11/06
لا يمكن تغيير الحقائق عن دولة اسمها إيران

لا أحد يخون الشعب الإيراني مثل الإعلام الغربي إلا الرئيس الأميركي جو بايدن. في ما يتعلق بأحد التحديات المركزية للسياسة الخارجية الأميركية في عصرنا، لا يستطيع الرئيس بايدن تغيير الحقائق بشأن إيران المارقة.

وليس بمقدور أي كلام أو دبلوماسية حكيمة أو متهورة تغيير الحقائق عن دولة اسمها إيران يقودها فريق من رجال الدين وفق نظام ثيوقراطي مسكون بالخرافة التاريخية ويدفع الشعوب للموت من أجل الالتحاق بالفردوس التي يسكن فيها الإمام الخميني!

تلك الحقيقة القائمة منذ عام 1979 لا تجد لها تشريحا فعليا في سياسات الغرب ولا في إعلامه، مثلما يتم الحديث مثلا عن الألعاب النووية التي يؤديها زعيم كوريا الشمالية كيم جونغ أون.

لا توجد عدالة في نظر الغرب إلى إيران بنفس ما يتم به تسويق فكرة ملتبسة وغير مؤكدة عما يجري في كوريا الشمالية مثلا. لكن لا أحد يجيب عن سؤال لماذا يتم معاملة إيران بطريقة رحيمة لم تحصل أبدا مع أنظمة مارقة أقل منها خطرا على السلم الدولي؟

من دون أن يُشعر الغرب إيران بشأن خطورة ما تقوم به في كل سياستها التوسعية، فإن سوء التقدير هذا يدخل المنطقة في مخاطر يصعب على العالم السيطرة عليها. وأكثر من يدفع ثمنها الشعب الإيراني، كما يدفع من كرامته المهدورة تحت سطوة النظام.

كل شيء يتأثر في المنطقة بمجرد خروج إيران عن الدور الطبيعي للدول، لا يتأثر الغرب فقط بالضرر المتوقع من توقف صادرات النفط. ستخرج الميليشيات الطائفية عن طوعها، كل مصالح العالم في المنطقة ستكون عرضة للاستهداف. فلماذا يتردد الغرب في التعامل الحازم مع السياسة الإيرانية الضارة بالسلم الدولي؟

من الواضح أن مكانة الولايات المتحدة في العالم، كحليف موثوق به للأصدقاء المحاصرين من قبل إيران، وباعتبارها عدوا جادا للأعداء المغامرين، تنهار.

يحذرنا دنيس روس الأكاديمي في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، الذي عرف المنطقة عن قرب، من فقدان الإيرانيين الخوف حيال الخطوات التصعيدية بشأن برنامجهم النووي. فذلك قد ينتج سوء تقدير من الجانب الإيراني حول إمكانية أن ترد واشنطن عسكرياً عليها في المستقبل، وهذا ما يجعل تحقيق نتيجة دبلوماسية أقل احتمالاً. من دون أن يفهم الإيرانيون أن المسار الذي يسلكونه خطير عليهم، ستزداد احتمالات استخدام القوة. بالتأكيد، إن الإسرائيليين هم أكثر نزعة لاستهداف البنية التحتية النووية لإيران، بما أنهم ينظرون إلى التهديد النووي الإيراني على أنه تهديد وجودي، ويرون أن إيران تقترب من نقطة التحول إلى دولة عسكرية نووية في التوقيت الذي يناسبها.

لا نجد مثل هذه النزعة، لسوء حظ المنطقة، من قادة الدول العربية المتضررة من إيران لحد الآن، فهي تكتفي بالمطالبة والمهادنة من دون أي ضغط يذكر على إرغام إيران لتغيير سياستها. ذلك يبدو لي سببا يجعل الغرب مستمرا في خيانة الشعب الإيراني عندما لا يلمس أي فعل ضاغط من الدول المتضررة من إيران.

يتساءل بريت ستيفنز الكاتب السياسي في صحيفة نيويورك تايمز عما إذا كان هناك أي نوع من الرد الأميركي. فمن غير الواضح ما إذا كانت هناك أي سياسة متماسكة على الإطلاق من قبل بايدن إزاء إيران.

لا تزال إدارة بايدن يائسة من إعادة إيران إلى طاولة المفاوضات لتوقيع اتفاق نووي من شأنه أن يوفر مليارات الدولارات من التمويل الذي يمكن أن تستخدمه طهران لشن المزيد من الهجمات.

تم انتخاب بايدن بناء على وعد بالحكمة والخبرة والكفاءة. هل يمكن لأي شخص أن يقول بجدية إن الأميركيين حصلوا على ذلك؟ اليوم يبدو تهور دونالد ترامب أكثر أهمية للعالم من تردد بايدن العاجز لحد الآن عن مداراة هزيمته الشنيعة في أفغانستان.

في كل الذي يحصل في السلوك السياسي الغربي تجاه إيران، يدفع ثمنه الشعب الإيراني الواقع تحت مقصلة النظام. فالعالم يخون الإيرانيين بتسليط الضوء على ما يُريد النظام إظهاره، لا إيران الحقيقية التي يعيش الشعب فيها معاناة قاسية.

هناك نسختان من إيران وفق تعبير حسين روناغي، السجين السابق والمدون الإعلامي اليوم. فهو أحد الشهود الأحياء الذي عاش التعذيب في سجون النظام، ويشعر بالخذلان العالمي بعد أن شهدت إيران خمس انتفاضات محلية ضد النظام في السنوات الأربع الماضية رفع فيها الإيرانيون شعار “الموت لخامنئي” بدلا من شعار “مرك بر أميركا” (الموت لأميركا)، ومع ذلك، فإن معظم الناس في الغرب، حتى أولئك الذين يعتبرون أنفسهم على دراية بإيران، لا يعرفون الواقع الإيراني، لأن التغطية الإعلامية الأجنبية تتجاهله باستمرار أو تُنكره.

يبدو الأمر كما لو كان هناك نسختان من إيران، وفق روناغي، الأولى يعيش فيها الإيرانيون، والثانية التي يتمّ نسج القصص عنها. ويتمّ تعريف إيران من خلال مفاوضات نووية مزعجة. ويمكن أن نضيف نسخة ثالثة تنتج عن التراجع العربي حيال السياسة الإيرانية التوسعية، الذي لا يمكن اعتباره إلا ضعفا.

إيران أسوأ بكثير مما تظهره سياسة بايدن لحد الآن، وما تقدمه وسائل الإعلام الغربية، التي تجعل من الإيرانيين ضحايا لهذا الجهل بمعاناتهم القاسية.

ففي هذا البلد الذي يصيغ سياسته على مقاس جبة آية الله، لا أحد يعرف كم عدد السجناء السياسيين في زنازينه، مثلما يعرف من يرسل ولو همسة إعلامية إلى الخارج المصير الذي سيلاقيه. فإيران وفق تعبير منظمة مراسلون بلا حدود نجحت في بناء “الجدران النارية” أمام الإعلام.

واحدة من أكثر الصور عن إيران الحقيقية سبق وأن رسمتها الكاتبة آذر نفيسي في سردها العميق للواقع السياسي المتخلف في كتاب “أن تقرأ لوليتا في طهران”، فعالم الإيرانيين تحت حكم الملالي قد تشكّل وفقًا لمنظور العدسات عديمة اللون لذلك الرقيب الأعمى. وتكتب نفيسي “ليس واقعنا فحسب؛ وإنما خيالنا أيضا، فتزامن ابتكارنا لأنفسنا مع ابتكار شخص آخر لنا حتى صرنا نموذجا مزيّفا من صنع خياله، فهذا بلد يؤول كل إيماءة تأويلا سياسيا أيا كانت تلك الإيماءة خاصة أو شخصية، فهم يجدون بأن ألوان غطاء رأسي وربطة عنق أبي رموزا للانحلال الغربي وللنزعة الإمبريالية”.

هذه السيدة الإيرانية من بين أصدق الشهود أمام التاريخ، وعلى بايدن والغرب بشكل عام أن يعتمد شهادتها كمبدأ عند أي خطة مرتقبة يسلكها لإعادة تأهيل النظام الراديكالي في طهران، من أجل ألا يخون الشعب الإيراني مجددا.

9