العالم المعاصر بات بحاجة إلى نظام إعلامي جديد

تسويق المهنية والموضوعية صعب في عالم شديد التقلب ما بين صعود الإرهاب وازدهار اليمين المتطرف وموت الأيديولوجيا.
الخميس 2019/04/18
نظام إعلامي يدور في فلك النظام السياسي

ينعكس الصراع السياسي في النظام العالمي الحالي بشكل جلي على المشهد الإعلامي لا يختلف فيه الشرق عن الغرب، لتكون النتيجة قاعدة عامة ترسم المشهد: إرهاب الصحافة وشراء الرأي العام وتحوير الحقائق وتقديم وجبات انتقائية من الواقع تخدم أهداف السلطة.

لندن – ينطوي النظام الدولي الذي يسعى للتشكل على تضارب تقليدي في المصالح السياسية والاقتصادية، لكن هذه القوى المتصارعة تتوافق على الترويج لمشهد إعلامي واحد قوامه الأخبار المزيفة والحرب النفسية والتلاعب الخبيث بالرأي العام. ووفق ما يؤكد خبراء الإعلام، لا فرق في هذه الممارسة بين الدول الغربية أو الشرقية، الكبرى أو الصغرى.

وتختزل ساحة الإعلام الصراع السياسي في العالم أجمع، فيكفي تأمل حركة السوق الإعلامي في الاندماج والبيع والشراء، لاستنتاج شكل المشهد الجديد الذي قد يقوم عليه النظام العالمي الوليد.

وتكاد تكون القاعدة المتبعة في رسم المشهد واحدة: إرهاب الصحافة وشراء الرأي العام وتحوير الحقائق وتقديم وجبات انتقائية من الواقع. فإذا كان رأسمال الغرب يلعب دورا أساسيا في مواجهة الإعلام المستقل وتطويع روايته، فإن ما تمارسه سلطات بقية دول العالم، يجاهر باللجوء إلى العنف المباشر أو غير المباشر عبر القوانين لتدجين الإعلام المعاند للسلطة وفق شروطها.

ولا يعوز الباحث الكثير لتقديم الأمثلة: تركيا تضيق على صحافييها، ومنابر إيران ذات صوت واحد، بينما الصين صاحبة رواية واحدة، وفي روسيا يسقط الصحافيون قتلى، فيما الإعلام العربي بات مستقطبا داخل خنادق الانقسام المعروفة.

ولم تعد الأزمة ترتبط بقيم وثقافات دون أخرى، إذ لا تسلم الولايات المتحدة نفسها من تلك المعركة بين الإعلام والسلطة. ففي واشنطن يتهمون الإعلام بأنه لم يعد مهنيا وصار واحدا من اللوبيات التي تتحكم بالولايات المتحدة.

وترامب نفسه جعل من الصحافة عدوا، اتهمها بالكذب والنفاق والدجل، ولم يعد يعتمد على إعلام حليف كفوكس نيوز وأخواتها، ولا يأمن إلا لموقع تويتر، ولطالما علت الأصوات الأميركية باتهام روسيا بأنها وراء إغراق الرأي العام في العالم الغربي بالأخبار المزيفة. وكثرت الشكوك بأن هذا الإعلام المزيف هو من كان وراء انتخاب ترامب.

وبدورها حذرت بلدان الاتحاد الأوروبي من هذا الرعب الجديد الذي تحمله مواقع التواصل الاجتماعي فتفرض حقائق تقود لنخب جديدة تحكم البلاد.

ولئن نشأ النظام العالمي ما بعد الحرب العالمية الثانية على قواعد أيديولوجية متصلة بعلم الأخلاق في السياسة، فإن النظام العالمي القابل للتشكل يتغذى من مخزون مقلق لزاد إعلامي مزيف لا يعمل القمع شرقا ورأسمال الغرب إلا مفاقمة علله.

وعلى أساس القواعد الجديدة لكيفية صناعة الإعلام، يقوم قاسم مشترك بين الزعامات التي تحكم هذا العالم هذه الأيام. وليس صعبا على المتابع ملاحظة القاسم المشترك بين شي جين بينغ في الصين وفلاديمير بوتين في روسيا ورجب طيب أردوغان في تركيا وفيكتور أوربان في المجر وجايير بولسونارو في البرازيل ودونالد ترامب في الولايات المتحدة.

مواقع التواصل الاجتماعي تفرض حقائق تقود لنخب جديدة تحكم البلاد
مواقع التواصل الاجتماعي تفرض حقائق تقود لنخب جديدة

وعلى أرضية هذا الواقع يبدو إعلام هذه الأيام مسخرا لخدمة خطاب واحد يحمله أشخاص مختلفون. والمفارقة أن العولمة التقنية بدت أنها قد فتحت العالم أمام الفرد، لكن التطور التقني والحضاري لم يكفل لهذا الفرد المزيد من الحقيقة. ثم أن هذا الإعلام لم يعد “السلطة الرابعة” التي لطالما زعم أنه يمتلكها، بل بات أداة من أدوات السلطة بمعناها الكلي العام.

ويتساءل المراقبون حول حقيقة أن زيف الأنباء هو ظاهرة جديدة في عالم العلاقات الدولية كما في السياسة الداخلية. ويذهب باحثون إلى أن الإعلام لم يكن قبل اختراع الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي وقبل أن يرسل بوتين “قراصنته” لاختراق حدود خصومه، إلا واجهة لما تريده السلطة.

ويضيف هؤلاء أن الإعلام هو من أخبرنا حول الأسباب التي تسمح باندلاع الحرب ضد أفغانستان والعراق وليبيا، ليعترف نفس الإعلام لاحقا بأنه كان مضللا. فما الذي يمنع هذا التضليل في الأنباء التي تصلنا الآن؟

اليوم، بات المتخصصون قلقون من هذا الواقع، حيث يصعب تسويق المهنية والموضوعية والحياد في عالم شديد التقلب ما بين صعود الإرهاب وازدهار اليمين المتطرف وموت الأيديولوجيا. لذلك باتت الحاجة ماسة لنظام إعلامي جديد في مواجهة الأكاذيب المتصاعدة فضلا عن كونه يحقق المعادلة السياسية الجديدة التي لم تعد تحت وطأة القطب الواحد، أو الصراع بين قطبين.

وبدأ البعض يتخيل تدريس الخبر المزيف في الجامعات المتخصصة في الإعلام وأن يصبح التضليل مادة دسمة للبحث والدراسة دون حرج أخلاقي. وبالمقابل يراقب المتلقي في العالم العربي سيل الجيوش الإلكترونية التي باتت تلوث المشهد الإعلامي العام، حيث أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي منابر التنظيمات الإرهابية وخطاب الكراهية والعنصرية الذي يطلق دون رادع.

كان يجب انتظار عقود قبل أن تتنبه المنابر الإعلامية الاجتماعية الكبرى، يوتيوب، فيسبوك وتويتر أن مشاهد الذبح مهينة ومعيبة لا تحتاج إلى قوانين الحكومات لمنع انتشارها.

وفي بريطانيا هناك من رأى في توقيف جوليان أسانج مؤسس موقع ويكيليكس انتصارا للسلطة على الإعلام المتفلت. السلطة تنجح في تدجين التمرد ووقف موجة التسريبات التي تربك الولايات المتحدة كما كافة الدول المتعاملة معها، وتنجح في ضبط قواعد اللعبة المتعارف عليها بين الدول. حتى روسيا والصين والدول المفترض أنها متنافسة مع الولايات المتحدة يغبطها سقوط فرد يحرج قواعد اللعبة بين الدول.

والحرب ضد الإعلام تعني أنه مازال محوريا في تقرير سياسات الدول. ربما مقولة غوبلز “اكذب اكذب حتى يصدقك العالم” هي العنوان العريض لواقع الإعلام في هذا العالم. غير أن الأمر بات يشكل عقبة أمام تقدم الإنسانية في بعدها الطبيعي. والأدهى أن النزوع نحو الكذب يتواكب مع جنوح نحو ممارسة السياسة دون قاع أيديولوجي وجعلها حاجة لإدارة اليوميات.

يكذب غوبلز لنشر النازية التي يعتبرها فضيلة، فيما يأتي كذب هذه الأيام لتثبيت سلطان على قواعد يومية تختمر داخلها جرع عالية من الارتجال. مستقبل معضلة الإعلام مرتبط بالوجه الآخر للنظام الدولي. وإذا ما كان للسياسة عقلاؤها ومنظروها وقادتها الروحيون، فإن الإعلام يحتاج في نسخه الجديدة إلى الاعتراف بعلل والقبول بالعلاجات العاجلة. الأمر لا يمكن مواجهته بالقوانين التقليدية، بل بإقامة فلسفة أخلاقية تعيد للإعلام دوره الحقيقي، ليس في مواكبة السلطة ومواكبة تطور المنصات تكنولوجيا، بل في إعادة الاعتبار للمهنة ليس بكونها صدى للتاريخ بل صانعة له.

18