العالم النامي يتحصل على فرص ذكاء المدينة

التقنيات الذكية بدأت بالفعل تضع بصمتها في العالم المتقدم، لكن أيمكنها العمل في العالم النامي كذلك؟ أيمكن للمدن الآخذة في النمو بسرعة في بعض أفقر بلدان العالم أن تقفز قفزة ضفدع تتخطى بها الطرق التقليدية من التخطيط الحضري لتصبح مدنا ذكية، تماما مثلما قفزت الاتصالات وانتقلت مباشرة إلى الهواتف الجوالة والنطاقات العريضة؟
الأحد 2015/11/01
برمجيات لمعالجة تلوث الهواء وطفح شبكات الصرف الصحي وتسرب المياه

نيويورك - أيمكن للبلدان النامية أن تختصر طريقها نحو المدن “الذكية” المجهزة بالتكنولوجيا وتتمتع برعاية صحية ذكية، وأنظمة صرف ذكية، ووسائل نقل ذكية، ومبان ذكية؟

يمكن هذا، وفق رأي شيزورو أوكي، منسق الحد من تغير المناخ بمرفق البيئة العالمي التابع لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي. لكن للوصول إلى ذلك، ينبغي على المدن أن تنظر أولا إلى كيفية تفاعل القطاعات التي تبدو مستقلة، مثل النقل وكفاءة الطاقة والإمداد المائي، ومن ثم تخطط لجعلها أكثر اتصالا فيما بينها. ويمكن للتقنيات الذكية مساعدة المدن في التعامل بشكل أفضل مع عواقب الكوارث الطبيعية. إذا ما تمكنت أجهزة الاستشعار من إطلاق إنذار من تسونامي في منطقة ساحلية فقيرة، وتوصيل هذه المعلومة إلى قطاعات أخرى قد تتأثر، مثل النقل بسبب الاختناقات المرورية المحتملة، فإن المدينة بأكملها عندئذ تكون أفضل استعدادا.

لكن الأمر يتطلب استبصارا مسبقا بشكل جمعي أكبر، وفق ما يقول أوكي. لذا فللتوصل إلى إدارة حضرية ذكية ومجموعة أدوات أكثر عمومية في التخطيط، يمكن أن تتشاركها مدن مختلفة.

ولشركة “أي بي أم” نحو 2500 مشروع للمدن الذكية في شتى بقاع العالم، حتى أنها جعلت لمصطلح “المدن الأذكى” علامة تجارية. كما أن شركات أخرى للتكنولوجيا مثل سيمنز وإنتل وميكروسوفت وسيسكو، كلها منشغلة بتطوير وبيع برمجيات لمعالجة مشكلات المدن المختلفة ومواجهتها، بدءا من تلوث الهواء وطفح شبكات الصرف الصحي وتسرب المياه.

فبدعم من مصرف تنمية البلدان الأميركية، تسعى ست مدن من البرازيل وكولومبيا وجامايكا وأوروغواي إلى إنشاء مراكز مماثلة للتحكم في البيانات، يجري إنشاؤها على عدة مراحل، إذ من المتوقع إطلاق أول تجربة صغرى في منتصف عام 2015.

وإلى جانب مراكز التحكم، هناك أيضا المزيد من تطبيقات الهواتف الذكية، مثل الخدمات المصرفية عبر الجوال، والتجارة الإلكترونية، والدفع بالجوال، وتطوير صفحات الويب، والتعليم الإلكتروني، كلها تهدف إلى مساعدة الفئات المحرومة بوجه خاص. على سبيل المثال، فإن خدمة الأموال عبر الهاتف “أم ـ بيزا” التي حققت نجاحا كبيرا، منحت سكان الأحياء الفقيرة في نيروبي بكينيا مكانا افتراضيّا للاحتفاظ بأموالهم في مأمن من بعض الأحداث مثل حرائق الأحياء الفقيرة، كما تساعدهم على توفير المال والوقت الذي يتطلبه السفر إلى البنوك.

وقد أدى هذا أيضا إلى مبادرات مثل خدمة الاتصال بمانحي خدمة مضخات المياه لإمداد الأحياء بمياه مدفوعة الثمن من خلال خدمة “أم بيزا”، كما ساعدت المنظمات غير الحكومية في تسديد مدفوعات سكان الأحياء الفقيرة.

وتأتي الصين والهند أيضا في طليعة التحولات إلى مدن ذكية، ففي الصين – أكبر دولة تطلق انبعاثات ثاني أكسيد الكربون في العالم- أجرى مرفق البيئة العالمي مباحثات مع الحكومة حول إمكانية استخدام برامج نقل ذكية من قبل مراكز لوجستية منخفضة الكربون لتنظيم حركة المرور. وبدأت أفريقيا تتحول باتجاه التقنيات الذكية.

وتقوم بلدة ستيلينبوش في جنوب أفريقيا بتحويل “منطقة ابتكار ستيلينبوش” إلى “مركز للابتكار” يضم مشروعات مثل أكشاك ذكية ذات خاصية الشحن الشمسي للهواتف الجوالة. ورغم أن المشروع في أيامه الأولى، إلا أن بيتر فان هينينجين – مدير البرامج بمنطقة ابتكار ستيلينبوش- بدأ بالفعل يخطط لحمل هذا المفهوم إلى مناطق أخرى في أفريقيا.

وبالنسبة إلى العديد من البلدان الأفقر، يعد التمويل إحدى العقبات الكبرى أمام التحول إلى التقنيات الذكية، لكن الأمر لا يتطلب دائما بالضرورة استراتيجيات حكومية مكلفة لجمع البيانات الضخمة، فبإمكان الأشخاص العاديين الإسهام في ذلك، حسبما يقول فيكتور مولاس، خبير سياسات الاتصالات في مجموعة البنك الدولي.

ففي مدينة مابوتو بموزمبيق، يحاول البنك الدولي تحسين معالجة النفايات من خلال مبادرة تستخدم التعهيد الجماعي عبر تطبيقات الجوال، لجمع مدخلات من المواطنين وجامعي النفايات حول أماكن القمامة في المدينة. ومنذ إطلاقها في 2013، يبدو أنها بدأت تؤتي ثمارها، فقد تحسن رسم خرائط الطرق، وبات المزيد من الناس يلقون مخلفاتهم في أماكنها المناسبة.

وفي نيروبي، وهي إحدى أكثر مدن العالم ازدحاما، لجأ مشروع يدعى “ماتاتوس الرقمي” إلى التعهيد الجماعي لرسم خريطة عبور شبكات الحافلات والقطارات بالمدينة.

تقول جاكلين كلوب، الباحثة في معهد الأرض بجامعة كولومبيا في الولايات المتحدة والتي تقود أحد فرق المشروع، “إن البيانات والخرائط لا تؤدي وحدها إلى خفض الاختناقات المرورية، لكنها تعد خطوات أولى لتخطيط أفضل”.

18