العالم بأسره يحتاج إلى روح نوتردام

مشاعر الصدمة العالمية لم ترتق إلى حملات تعبئة جدية لإنقاذ أقدم تراث إنساني على الأرض، كما هو الحال اليوم مع نوتردام.
الأحد 2019/04/21
الحريق الذي جمع العالم

بلغ حجم التبرعات المعلنة خلال يومين فقط بعد كارثة حرق كاتدرائية نوتردام رقم مليار أورو بحسب ما نقلته القنوات الإخبارية الفرنسية المنشغلة بالكارثة على مدار الساعة، وهو رقم غير مسبوق في مداه الزمني وفق هذه القنوات.

التعبئة الفرنسية والدولية لإنقاذ نوتردام تكاد تضاهي حجم تعهدات في مؤتمرات المنح الدولية، غير أن الفارق يكمن دائما في جدية الالتزام بتلك التعهدات، إذ أنها لا تخرج كعادتها عن سياسة المكيالين في تعامل القوى الكبرى والاقتصادات الغنية مع كوارث الكوكب.

ضمت حملة التبرعات منذ بدئها في فرنسا كبرى الشركات الوطنية العريقة مثل لوريال وطوطال وميشلان بجانب طبقة أثرياء المجتمع الفرنسي من بينها عائلتا بينولت وأرنولت وعائلة بتنكورت مايرز، إلى جانب جمعية التراث الفرنسية التي وفرت 300 مليون أورو، وحتى البنك الأوروبي فتح خزائنه للدعم بخلاف المساهمات التي يمكن أن توفرها دول التكتل الأوروبي وباقي دول العالم وأثرياء الكون المتضامنون مع باريس.

والرقم يمكن أن يصعد خلال أسابيع قليلة إلى أضعاف المليار أورو بكثير إذا ما تحقق مقترح رئيسة بلدية باريس آن إيدالغو بتنظيم مؤتمر دولي للمانحين من أجل تمويل أشغال إعادة بناء الكاتدرائية.

صحيح أن كاتدرائية نوتردام التي تعود للقرن الثاني عشر ليست في مستوى قدسية كنسية المهد ولكنها تحمل العراقة المعمارية والحضارية ذاتها مع كنيسة القديس بطرس في روما وآيا صوفيا، وهو ما يمنح تبريرا مشروعا لحماسة الفرنسيين واندفاعهم بأن يفخروا بهذه الحملات وهذا الاعتزاز الوطني بالتراث الثقافي والمسيحي، فأي حضارة لا تكون عريقة إلا بمقدار ما تحمله من شواهد على رقيها الإنساني.

لكن عمليا القاعدة ذاتها لا يعتد بها دوليا إذا ما ارتبطت بمواقع التراث الإنساني في مناطق أخرى بالعالم أقدم بكثير من كاتدرائية نوتردام، بل إن المشاعر النبيلة والرمزية التي رسخها الأديب الفرنسي فيكتور هوغو في روايته التي اقترنت بشهرة الكنيسة “أحدب نوتردام” وانتقاداته للظلم والتمييز المجتمعي وانحدار القيم، تكاد تعكس اليوم حقيقة المواقف الغربية تجاه ما يحصل في العالم من حوله بالمقارنة مع ردة فعله من كارثة الحريق.

بخلاف مدينة تومبكتو التاريخية منارة الصحراء في غرب أفريقيا والمرتبطة تاريخيا بالاستعمار الفرنسي، لم تحشد فرنسا ولا المجتمع الدولي ومن ورائه الأمم المتحدة ما كان يتوجب فعله مع الكثير من المعالم الحضارية والثقافية الأخرى، مع أنها تختزل أيضا عصارة الحضارة الإنسانية منذ حتى ما قبل التاريخ المسيحي.

مثل تومبكتو تماما تعرضت أعرق المدن التاريخية في سوريا، أحد أقدم المناطق السكانية والتجمعات البشرية القديمة في الأرض على الإطلاق، إلى تدمير ممنهج بالمعاول والذخيرة على أيدي العصابات الجهادية ومرتزقة داعش بجانب سرقات واسعة النطاق للمنحوتات والقطع الأثرية وأنشطة تهريب عابرة للدول لم تكن خافية عن الغرب.

كان العالم شاهدا على ما حدث من دمار في مدينة تدمر التاريخية ومعبد بل الذي ظل قائما منذ ألفي عام، وحلب القديمة والمسجد الأموي ونحو 300 موقع أثري في سوريا، طيلة سنوات من النزاع المسلح الذي شرد الملايين وألحق دمارا في مدن يفوق ما لحق وارسو ودرسدن في الحرب العالمية الثانية.

مع ذلك لم تأخذ الدعوات المشتتة إلى عقد مؤتمر دولي للمانحين طريقها إلى الأرض. كما لم ترتق مشاعر الصدمة العالمية إلى حملات تعبئة جدية لإنقاذ أقدم تراث إنساني على الأرض، كما هو الحال اليوم مع نوتردام.

وهناك أوجه مفارقة أكثر حدة خلف كارثة نوتردام. فالرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون توقع انتهاء أشغال إعادة البناء في الكاتدرائية خلال خمس سنوات برغم تحفظات المعماريين، وهو تحد يدفع دون وعي إلى تقييم مدى الالتزام الدولي بتحقيق تحديات أخرى أكثر ارتباطا بحياة الشعوب اليوم، وهي تتعلق بأهداف الانمائية للألفية للأمم المتحدة ومن بعدها أهداف التنمية المستدامة في أفق 2030 لمكافحة الفقر والجوع والتغير المناخي وتحسين ظروف العيش.

الصورة الحالية لا تبدو في مستوى التحديات، إذ تفيد إحصائيات الأمم المتحدة بأن عدد الجوعى في العالم في صعود على مدار السنوات الثلاث الأخيرة ليتخطى عتبة 820 مليون شخص، ويعني ذلك أن واحدا من كل تسعة أشخاص في العالم لم يكن لديه الطعام الكافي في عام 2017. ومن بين هؤلاء 151 مليون طفل أقل من خمسة أعوام، أي 22 بالمئة من إجمالي تعداد الأطفال في العالم يعانون من ضعف في النمو.

حتى وقت قريب كانت التفسيرات الأكثر شيوعا لخبراء التنمية هو أن التدهور الاقتصادي والأحداث المرتبطة بالمناخ مثل الجفاف والفيضانات هما المسؤولان عن هذا الاتجاه السلبي. لكن اتساع رقعة النزاعات المسلحة تقف اليوم كسبب مباشر لزيادة عدد الجوعى، إذ يكفي الإشارة إلى أن حرب اليمن على سبيل المثال تسببت في جعل ثلث سكان البلاد في عداد الجوعى، في أسوأ أزمة غذائية على وجه الأرض بحسب منظمة الفاو.

إن كلفة إعادة الحياة إلى نوتردام قد لا تقارن بكلفة تحقيق أهداف التنمية المستدامة لعام 2030 والمقدرة بما بين 3.3 تريليون دولار و4.5 تريليون دولار سنويا. ولكن سيكسب العالم مصداقية أكبر إذا ما تمت استعارة روح التعبئة والالتزام ذاتها في نوتردام لإنقاذ الجوعى في اليمن والتراث الإنساني الضائع في سوريا في المدى العاجل، والالتزام بتحقيق باقي تحديات الألفية على المدى المتوسط عبر مؤتمرات صادقة وجدية للمانحين الدوليين.

5