العالم على أبواب حرب باردة وقودها الخوارزميات

إدماج الذكاء الاصطناعي في المجال العسكري سيؤدي إلى إدخال متغير جديد في المعادلة العسكرية والذي من المحتمل أن يزعزع الاستقرار الأمني إلى حد كبير.
الجمعة 2020/08/14
اﻟﻬﺠﻮم اﻟﺴﻴﺒﺮاﻧﻲ ﻳﻨﻄﻮي ﻋﻠﻰ ﺧﺴﺎﺋﺮ تضاهي اﻟﺨﺴﺎﺋﺮ اﻟﻨﺎﺟﻤﺔ ﻋﻦ اﻟﺴﻼح اﻟﻨﻮوي

كثيرا ما سبق الحروب الكبرى في الماضي سوء تقدير كارثي، فهل يكون سوء تقدير صادر عن الذكاء الاصطناعي سببا في اندلاع حرب عالمية ثالثة؟ الخوف ليس فقط من ظهور زعيم يبدأ الحرب، ولكن، من أن يتخذ الذكاء الاصطناعي القرار ويبدأ “الضربة الاستباقية”.

لندن- الحرب هي قانون الطبيعة الأول، والسلم هو الاستثناء، لقد انخرط الإنسان منذ بدايات خطوته على الأرض في حروب ساحقة، بهدف تأمين حاجياته وإرضاء غروره وتأبيد سيطرته، وكانت أيضا لِدواع سياسية ودينية واقتصادية.

وأول أداة اخترعها الإنسان كانت قطعة سلاح؛ مدية من حجر ورمح من صوان، فتاريخ الإنسانية كما يؤكد عالم الاجتماع الفرنسي غاستون بوتول، هو “سجل مملوء بالحروب والنزاعات، المسؤولة، إلى حد كبير عن إحداث التحولات والتلاقحات الكبرى”.

أداة هيمنة

بينما تقف اليوم طموحات دولة مشلولة بمعرفتها أن أي إطلاق لصاروخ نووي باتجاه خصومها سيكون خطوة انتحارية. لا يوجد مثل هذا الرادع عندما يتعلق الأمر بالذكاء الاصطناعي.

ورغم حداثة العهد به، أصبح الذكاء الاصطناعي الموضوع الأكثر جدلا بين العلماء. وهو إلى جانب المجالات العلمية والتكنولوجية والاقتصادية وغيرها، مطروح اليوم على طاولة زعماء العالم كأداة للهيمنة، بما ينذر بحدوث فصل جديد من الحرب الباردة يكون فيها الذكاء الاصطناعي اللاعب المتحكم.

غاستون بوتول: تاريخ الإنسانية سجل مملوء بالحروب والنزاعات
غاستون بوتول: تاريخ الإنسانية سجل مملوء بالحروب والنزاعات

وكانت دراسة حديثة استطلعت آراء 352 من خبراء التعلُّم الآلي والذكاء الاصطناعي، خلصت إلى أن الذكاء الاصطناعي يحسِّن قدراته بسرعة، ويثبت ذاته على نحو متزايد في مجالات عديدة شهدت سيطرة الإنسان عليها تاريخيّا.

وأكدت الدراسة الحديثة، التي أجراها باحثون من جامعتي أوكسفورد البريطانية وييل الأميركية، أن هناك احتمالا بنسبة 50 في المئة بأن يتفوق الذكاء الاصطناعي على الذكاء البشري في جميع المجالات في غضون 45 عاما.

ويقول جيريمي ستروب، أستاذ علوم الكمبيوتر في جامعة ولاية داكوتا الشمالية الأميركية “ربما يكون الناس في العالم قلقين من تصاعد التوترات النووية، ولكنهم لا يدركون أن هجوما إلكترونيا كبيرا يمكن أن يكون ضارّا بالقدر نفسه.

وبِصِفتي شخصا يدرُس الأمن السيبراني وحرب المعلومات، يساورني القلق من أن هجوما سيبرانيا ذا تأثير واسع النطاق، أو اقتحاما في أحد المجالات يمتدّ إلى مجالات أخرى، أو مزيجا من هجمات كثيرة أصغر، يمكن أن تسبب ضررا فادحا، ينطوي على إصابات جماعية وخسائر في الأرواح، تنافس الخسائر التي تنجم عن سلاح نووي.

وعلى عكس السلاح النووي الذي سيؤدي إلى تبخُّر الناس ضِمْن مسافة 100 قدم، ويقتل كل شخص تقريبا ضِمن نطاق نصف ميل، ستكون الخسائر في الأرواح التي تنجم عن معظم الهجمات السيبرانية أبطأ. قد يموت الناس من نقص الغذاء، والكهرباء، أو غاز التدفئة، أو من تحطم السيارات الناجم عن تعطّل أنظمة الإشارات الضوئية. ويمكن أن يحدث ذلك ضمن مساحة واسعة، ما يؤدي إلى إصابات جماعية، وحتى وفيات”.

وبينما كان السلاح المفضل والأكثر تدميرا خلال الحرب الباردة ترسانة الصواريخ النووية، فإن الأمر يختلف اليوم، حيث تتمثل أسلحة المستقبل في برمجيات الذكاء الاصطناعي، سواء للإطلاق والتحكم في الأسلحة أو الأهم وهو مهاجمة أنظمة الكمبيوتر والتحكم المعادية. وستكون الغلبة للذكاء الاصطناعي الأكثر تطورا والذي يستطيع تطوير أدواته ذاتيا لقهر الأنظمة الأخرى.

وتؤكد مقدرة الرد السريع، باعتماد الذكاء الاصطناعي، للأعداء المحتملين أن الدولة تتمتع بأعلى درجات الاستعداد، بالإضافة إلى امتلاكها نفس القدرة في الحالات الهجومية، وهو ما سيصبح بمثابة رادع قوي تتشكل حوله أدوات الحرب الباردة طويلة الأمد.

حرب ضد البشر

جيريمي ستروب: أدوات حرب باردة تتشكل حول الذكاء الاصطناعي
جيريمي ستروب: أدوات حرب باردة تتشكل حول الذكاء الاصطناعي

في اجتماع معلن مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، داخل أكاديمية تطوير الصواريخ الإستراتيجية الجديدة بالقرب من العاصمة موسكو، أكد بوتين على أن الذكاء الاصطناعي قد يكون الأداة والطريق الذي تسلكه روسيا لاستعادة التوازن في القوى بينها وبين الولايات المتحدة والتغلب على الفارق الهائل في الإنفاق على التسليح. وأكدت وسائل الإعلام الروسية الرسمية حينها أن الذكاء الاصطناعي هو مفتاح روسيا للتفوق على الولايات المتحدة في ما يتعلق بالدفاع.

وبحسب العديد من الخبراء، سيتيح تطوير برمجيات الذكاء الاصطناعي اتخاذ قرارات بالاعتماد على بيانات أكثر وبسرعة أكبر مما يمكن للإنسان التعامل معها. ووقوفا على تلك الحقائق، سوف تسعى أي دولة للحصول على أسلحة الذكاء الاصطناعي إذا ظنت أن أعداءها سيحصلون عليه، ولكن حتى الآن لا يزال الاستخدام الواسع للهجمات التي يقودها الذكاء الاصطناعي بعيدا بعض الوقت.

ويأمل الخبراء أن تأخذ الدول خطوات جادة لنقل اتفاقية جنيف الرقمية المقترحة للحد من صراع الذكاء الاصطناعي، إلى أرض الواقع. ورغم ذلك لن توقف الاتفاقية هجمات الذكاء الاصطناعي التي قد تشنها مجموعات قومية أو الميليشيات أو إرهابيون وغيرها من الجهات، حيث سيتم التعامل مع الذكاء الاصطناعي كالأسلحة المحظورة في وقتنا الراهن. وستبقى أمام الدول فرصة للتنصل من المعاهدات أو إجراء تطوير أنظمة الذكاء الاصطناعي سرا. ومن المؤكد أن فردا ما سيحول الذكاء الاصطناعي إلى سلاح مما يدفع الآخرين لفعل الشيء ذاته وإن كان برغبة الدفاع عن النفس. والأهم من ذلك كله فإن امتلاك الذكاء الاصطناعي المتفوق في العديد من الدول سيوفر رادعا للهجمات كما حدث مع الأسلحة النووية خلال الحرب الباردة، ولكن على الجانب الآخر من الممكن أن تصبح أنظمة الذكاء الاصطناعي هي الطرفين المتحاربين، بل ومن الممكن أن تكون طرفا قويا في حرب ضد البشر.

وحذر جيمس جونسون الأستاذ بجامعة ليستر في بريطانيا والمتخصص في الدراسات الأمنية، في دراسة بعنوان “الذكاء الاصطناعي وحرب المستقبل” من التهديدات الأمنية العالمية التي ينطوي عليها استخدام الذكاء الاصطناعي في المجال العسكري، وانعكاساته على إعادة ترتيب موازين القوى.

ويناقش جونسون في دراسته المنافسة الجيوسياسية بين الصين والولايات المتحدة، ومدى تأثرها على السباق الحالي للابتكار في مجال الذكاء الاصطناعي. وتشير الدراسة في بدايتها إلى الدور الواسع الذي يمكن أن يلعبه الذكاء الاصطناعي في تعزيز القدرات العسكرية التقليدية والمتطورة، سواء من الناحية التشغيلية أو على المستوى التكتيكي. حيث يلعب دورا يفوق كونه “سلاحا” في حد ذاته.

فعلى المستوى التشغيلي، يعزز الذكاء الاصطناعي من القدرات العسكرية من خلال إمكانات الاستشعار عن بعد، والإدراك اللحظي للمتغيرات، والمناورة، واتخاذ القرار تحت ضغط.

أما على المستوى الاستراتيجي التكتيكي في صنع القرار العسكري، فستتمكن أنظمة القيادة المعززة بتكنولوجيا الذكاء الاصطناعي من تجنب العديد من أوجه القصور الملازمة لعملية اتخاذ القرارات الإستراتيجية التقليدية، حيث ستكتسب القدرة على اتخاذ القرار السريع، بل والتلقائي، بناء على المعلومات المعززة، وهو الأمر الذي يُجنّبها الأخطاء البشرية، ويُكسبها ميزة تنافسية مقارنة بأنظمة اتخاذ القرار التقليدية.

وبناء عليه، فإن إدماج الذكاء الاصطناعي في المجال العسكري سيؤدي إلى إدخال متغير جديد في المعادلة العسكرية، لن تتساوى فيه الجيوش التي تستخدم تلك التكنولوجيا الجديدة مع غيرها، ومن ثم سيحدث مجموعة من الآثار الإستراتيجية التي من المحتمل أن تزعزع الاستقرار الأمني إلى حد كبير، وتؤثر على ديناميكيات الصراع والتصعيد العسكري في المستقبل.

سباق تسلح جديد

الصين سباقة في إدماج الذكاء الاصطناعي ضمن منظومتها العسكرية
الصين سباقة في إدماج الذكاء الاصطناعي ضمن منظومتها العسكرية

في حين تم توصيف تكنولوجيا الروبوتات ونظم الأسلحة ذاتية التشغيل، إلى جانب ابتكارات أخرى، على أنها تمثل “الثورة الثالثة في الحروب”، وفي سياق آخر على أنها أحد مخرجات “الثورة الصناعية الرابعة”؛ فإن إدماج الذكاء الاصطناعي معها من المتوقع أن يُحدث آثارا تحولية في مستقبل الحروب والتوازن العسكري عالميا، حيث سيضيف إليها تقنيات تُعزز من قدراتها مثل الإدراك البصري والتعرف على الصوت والوجه، وكذلك استخدام الخوارزميات في صنع القرار لتنفيذ مجموعة من العمليات، الجوية والبرية والبحرية، وذلك بشكل مستقل عن الإشراف والتدخل البشري.

وتتوقع الدراسة أن تحوز الصين على الأسبقية في مجال إدماج الذكاء الاصطناعي ضمن منظومتها وإستراتيجيتها العسكرية، من خلال تطوير القواعد التقنية وآليات حوكمة الذكاء الاصطناعي لتعزيز تنافسية ومستوى القدرات العسكرية الصينية.

وفي حين تتمتع الصين بأفضلية تحقيق ذلك التكامل المدني – العسكري، فإن الولايات المتحدة مازالت تواجه العديد من التحديات مع شركات وادي السليكون، حيث أعلنت شركة غوغل مؤخرا عن إيقافها التعاون مع البنتاغون ضمن مشروع  للابتكار في مجال الذكاء الاصطناعي. كما أنها  مازالت تتخذ خطوات حذرة في الاعتماد الكامل وتضمين الذكاء الاصطناعي في المنظومة العسكرية.

وفي ختام الدراسة، يقارن الباحث بين توجه كل من الصين وروسيا نحو التضمين والاعتماد الكامل لتكنولوجيات الذكاء الاصطناعي في المنظومة العسكرية الخاصة بها، حيث توجد شواهد على إلحاق الصواريخ النووية والباليستية الخاصة بهما بمعززات الذكاء الاصطناعي، وهو ما يجعلها قابلة للانطلاق وتدمير الأهداف المحددة مسبقا في حالة استشعارها بوجود أي خطر أو هجوم عليها.

سيتيح تطوير برمجيات الذكاء الاصطناعي اتخاذ قرارات بالاعتماد على بيانات أكثر وبسرعة أكبر مما يمكن للإنسان التعامل معها

وهو الأمر الذي ينطوي على آثار تدميرية تمس البشرية جمعاء. إلا أنه، في المقابل، يرى أن الولايات المتحدة تسلك منحى آخر يراه الكاتب أخلاقيًّا في المقام الأول، حيث إن إخراج العنصر البشري من المنظومة قد يضاعف من تداعيات أي أزمة مستقبلية، ويخرجها عن السيطرة لتتصاعد لمستويات لا يمكن التحكم فيها.

وخلُصت الدراسة إلى أن التطورات المتسارعة في مجال الذكاء الاصطناعي، والتي ستقترن في المدى القريب بانتشارها والتوسع في استخدامها في المجال العسكري؛ سيترتب عليها إحداث العديد من التداعيات الأمنية، والتي ستنعكس بشكل أو بآخر على زعزعة استقرار الأمن العالمي، وإطلاق سباق تسلح جديد، إلا أنه في هذه المرة سيكون لامتلاك الأسلحة المعززة بتكنولوجيا الذكاء الاصطناعي.

ونبهت إلى أنه في ظل غياب القواعد والسياسات الضابطة لاستخدام تلك التكنولوجيا في المجال العسكري فستتمثل أهم التداعيات على الأمن العالمي في شيوع حالة من عدم اليقين، وتعدد التهديدات في المجالين المادي الواقعي والافتراضي. هذا بالإضافة إلى إحداث العديد من التحولات في طبيعة وخصائص التهديدات الأمنية، بل وطرح أشكال جديدة من التهديدات على الساحة الأمنية.

12