العالم على أعتاب صدمة نفطية يؤججها الاستثمار في الطاقة الخضراء

الطلب العالمي على النفط لن يصل إلى ذروته حتى العقد المقبل.
الأربعاء 2021/09/29
قطاع يئن رغم ارتفاع الأسعار

واشنطن - تواجه شركات الطاقة دعوات متزايدة من جانب المساهمين والحكومات لزيادة إنفاقها على الطاقة النظيفة والتركيز على مستقبل أقل اعتمادا على الوقود الأحفوري، وهو ما ينعكس سلبا على حركة أسواق النفط سواء كان ذلك على المدى القريب أو على المدى البعيد.

ورغم ارتفاع أسعار النفط في الأسواق العالمية منذ بداية العام الحالي يتوقع أغلب المراقبين أن يستمر هذا الارتفاع وأن يواجه العالم صدمة وشيكة نتيجة نقص الإمدادات، مقابل زيادة الطلب على الخام.

ويوضّح تحليل كتبته شارون تشو المتخصصة في شؤون الطاقة، وسكيت سوندريا المحرّر الاقتصادي في وكالة بلومبرغ للأنباء، أن سوق النفط العالمية تتجه نحو صدمة إمدادات، مع تراجع استثمارات شركات الطاقة العالمية في مشاريع إنتاج الوقود الأحفوري وتزايد الاتجاه نحو الطاقة النظيفة. كما يرى بعض المحللين أن الطلب العالمي على النفط لن يصل إلى ذروته حتى العقد المقبل.

وتظهر بيانات بلومبرغ التي تغطي ما يقرب من 140 مؤسسة للخدمات المالية في جميع أنحاء العالم أن هذه المؤسسات ضخت حوالي 203 مليارات دولار من السندات والقروض لمشاريع الطاقة المتجددة وغيرها من المشاريع الصديقة للبيئة حتى منتصف مايو الماضي.

وقال جريج هيل، مدير التشغيل في شركة هيس كورب، خلال مشاركته في منتدى “بلاتس أبيك 2021” بسنغافورة إن “إجمالي قيمة استثمارات شركات النفط العالمية في مشاريع التنقيب والاستخراج تراجع إلى حوالي 300 مليار دولار، أي أقل من نصف إجمالي الاستثمارات السنوية قبل تفشي فايروس كورونا المستجد والذي كان يقدّر بـ650 مليار دولار”.

واعتبر سعد رحيم، كبير المحللين الاقتصاديين في مجموعة ترافيجورا غروب العالمية لتجارة السلع، خلال مشاركته في المنتدى نفسه الذي انطلق الاثنين في سنغافورة أن “صناعة النفط ككل عالقة بين حتميات الاستثمار المتباينة… بالنسبة إلى المستقبل القريب من المحتمل استمرار حاجة العالم إلى أكثر من 90 مليون برميل يوميا، ليكون السؤال: كيف يمكن إيجاد الاستثمارات المطلوبة حتى يتم إنتاج هذه الكمية؟”.

وأضاف رحيم أن صناعة النفط تعاني من “نقص هيكلي في الاستثمارات” وعدم كفاية الإنفاق الرأسمالي منذ تفجر الأزمة المالية العالمية في الربع الأخير من 2008.

دامين كورفالين: تراجع العجز خلال الأشهر المقبلة أمر غير محتمل

ويذكر أن أسعار النفط ارتفعت خلال العام الحالي بنسبة تفوق الـ50 في المئة، مع اتساع نطاق برامج التطعيم ضد فايروس كورونا المستجد مما سمح للعديد من دول العالم بتخفيف القيود الصحية التي سبق فرضها لمنع انتشار الفايروس.

وفي الوقت نفسه تراجعت المخزونات العالمية من النفط الخام والوقود إلى مستويات ما قبل الجائحة، ليرتفع سعر خام برنت القياسي للأسواق العالمية إلى حوالي 80 دولارا للبرميل، رغم تباطؤ النشاط الاقتصادي للصين وتراجع الإنفاق بسبب القيود المحلية.

ويقول جيوفاني سيريو، رئيس إدارة تحليل الأسواق العالمية في مجموعة فيتول غروب السويدية للطاقة، إن “الارتفاع في أسعار النفط العالمية يتركز غالبا على العقود الفورية، في حين مازال المستوى النهائي لمنحنى أسعار العقود الآجلة منخفضا نسبيا”.

وقد أدى ذلك إلى تراجع تدفق الاستثمارات المالية نحو المشاريع طويلة الأجل والمعروفة أيضا باسم المشاريع العملاقة التي تتضمن ضخ كميات كبيرة من الاستثمارات مع وجود الكثير من المخاطر، أما المردود فيأتي على المدى الطويل.

في الوقت نفسه أظهرت مشاريع الزيت الصخري في الولايات المتحدة -والتي يمكن أن تندرج في فئة المشاريع قصيرة الأجل- انضباطا في زيادة العرض رغم ارتفاع الأسعار.

ويرجح بن لوكوك، الرئيس المشارك لقطاع تجارة النفط في مجموعة ترافيجورا غروب، استمرار ارتفاع الأسعار في ظل عدم قدرة الإمدادات على تلبية الزيادة السريعة في الطلب.

وجاءت التصريحات متزامنة مع تقرير أعده بنك الاستثمار الأميركي غولدمان ساكس ويتوقع ارتفاع أسعار خام برنت إلى 90 دولارا للبرميل بنهاية العام الحالي، لأن العجز في المعروض في السوق مقارنة بالطلب جاء أكبر مما كانت تشير إليه أغلب التحليلات.

أما ريان فيتسماوريس، خبير أسواق السلع في مصرف رابو بنك، فيقول إن “هناك احتمالات قوية لاستمرار ارتفاع أسعار النفط خلال الأسابيع المقبلة في ظل إقبال المضاربين على الشراء بهدف الاستفادة من الاتجاه التصاعدي وعدم تفويت فرصة تحقيق عوائد مذهلة”.

ويقول جيوفاني سيريو، الذي يتوقع وصول الطلب العالمي على النفط إلى ذروته في العقد المقبل، “من المحتمل ظهور تأثيرات نقص الاستثمارات في مشاريع التنقيب عن النفط واستخراجه في وقت قريب، مع زيادة استهلاك الطاقة نتيجة تأثيرات حزم التحفيز الاقتصادي وتخفيف السياسة النقدية ورفع القيود عن الحركة والسفر”. 

وترتفع أسعار النفط الخام في ظل مؤشرات على تراجع حاد للمخزونات العالمية مع زيادة الطلب قبيل دخول فصل الشتاء وتحرك تجمع أوبك بلس للدول النفطية نحو زيادة إنتاجها من النفط.

وتقول مجموعة ترافيجورا غروب إنه في الوقت الذي يتوقع فيه المتعاملون عجزا كبيرا في سوق النفط العالمية مازالت أسعار العقود الأطول مدى رخيصة وتحوم حول 70 دولارا للبرميل. بالتزامن مع ذلك ارتفع ما يسمى بـ”الفارق الزمني” الذي يقيس قوة السوق ارتفاعا شديدا خلال الأسابيع الأخيرة، وهو ما يعد مؤشرا إضافيا على أن نظرة التجار المستقبلية إلى السوق إيجابية.

ورجح بنك باركليز الثلاثاء أن يتواصل ارتفاع أسعار النفط في 2022، عازيا ذلك إلى أن استمرار انتعاش الطلب من شأنه توسيع الفجوة بين العرض والطلب في ظل النقص المستمر في المعروض.

وقال باركليز في مذكرة “تخفيف أوبك بلس لقيود الإنتاج لن يسد الفجوة في إمدادات النفط على الأقل في الربع الأول من 2022، إذ من المرجح أن يظل انتعاش الطلب أقوى من ذلك، وهو ما يرجع إلى عدة أسباب منها عدم قدرة الطاقة الإنتاجية المحدودة لدى بعض المنتجين في المجموعة على زيادة الإنتاج“.

ويؤكد محللون في بنك غولدمان ساكس -ومن بينهم دامين كورفالين- أنه من غير المحتمل أن يتراجع العجز في السوق خلال الأشهر المقبلة، لأنه من وجهة نظرهم سيكون أكبر من رغبة وقدرة دول أوبك بلس على سده.

6