العالم كله جواسيس

الجاسوس هو من يزرع القلق في عقول أمة بكاملها. الجاسوس الآن فكرة ولم يعد فردا.
الأربعاء 2021/04/21
زمن الابتكار الآن

قريبا تنتهي مهنة الجواسيس للأفراد. ربما انتهت لكنّ الخبر لم يصل بعد إلى بعض أجهزة الاستخبارات الكلاسيكية في العالم. من يحتاج إلى الجاسوس الآن؟ ماذا بوسعه أن يفعل؟ أيّ معلومات مصيرية موجودة في ملف يسرقه أو يصوره؟ فليحمل ما يحمل من فلاشات الذاكرة لسرقة المعلومات الإلكترونية، كم سيخزّن ويسرق والمعلومات التي تخزنها الدول أو الشركات بأحجام تتجاوز التيرا بايت (ألف ألف ميغا بايت) عن موضوع واحد؟

هذا يعيد تعريف المهنة. الجاسوس هو قرصان معلوماتي. الجاسوس هو مهندس يزرع برنامجا صغيرا من خلال عقد حصلت عليه شركته لتنفيذ مهمة برمجة لشركة كبرى مثل مايكروسوفت أو غوغل أو فيسبوك. الجاسوس هو من يتمكن من تمييز ما هو مهم فيسرقه من أجهزة الدولة الخصم أو الشركة المنافسة. الجاسوس هو من يقنعك بشراء تقنيات 5جي وتركبها. ستهل المعلومات كما يأتي المطر. الجاسوس الذي يعرف أن يستنتج ماذا تعني كل هذه المعطيات في محصلة المواجهة بين قوى عظمى. الجاسوس هو الذي لا يترك معلومة مهمة تمر ولا ينتبه إليها في خضم الأكوام الهائلة – إذا جاز التعبير – من الشارد والوارد. الجاسوس باحث يطور تقنيات الاتصالات والذكاء الاصطناعي. الجاسوس هو من يفكّ شفرات الند ويقرأ أسراره. الجاسوس هو من يزرع القلق في عقول أمة بكاملها. الجاسوس الآن فكرة ولم يعد فردا.

الحرب الباردة الجديدة هي حرب هذا النوع من الجواسيس. ما يحدث الآن بين الغرب – والولايات المتحدة منه بالخصوص – وأعداء الأمس/أنداد اليوم الصين وروسيا، أمر مستغرب. تتوقع أن الولايات المتحدة الأقدر على كسب هذه الحرب. هذه دولة تستثمر في التقنيات المعلوماتية منذ الأربعينات. تستطيع أن تنسب لنفسها معظم الإنجازات في هذا القطاع. لكنّ الواقع يروي قصة مختلفة. الصين أكبر مستثمر في تقنيات الاتصالات وأكبر مستثمر في الذكاء الاصطناعي. مقاول التنفيذ الصيني للأفكار التقنية والابتكارات الأميركية صار أفضل من صاحب المشروع الأصلي. راح زمن التقليد وجاء زمن الابتكار. الروس يمهّدون لانتقامهم الكبير من هزيمتهم في الحرب الباردة الأولى، بالعمل على اختراق الأجهزة والعقول معا. ثمة مشاغبون من الدرجة الثانية لا يتردّدون عن تجربة حظوظهم مع الغرب. الصرب والإيرانيون والكوريون الشماليون منهم، ولكنّهم ليسوا وحيدين. هذا عالم تصفية الحسابات مع غرب يشيخ ولا يعرف كيف سيكون المصير.

بذور الشك نثرت يمينا ويسارا. أبراج الاتصالات للهواتف في العالم صارت وكرا للجواسيس طالما تستخدم تقنيات 5جي الصينية. “الملائكة” الغربيون الذين لا يتجسّسون على أحد يحسّون بالقلق. سيكتشف الصينيون كم نتجسّس عليهم. صارت الحكومة البريطانية تشك باستحواذ شركة أميركية على شركة تقنيات بريطانية. هاتان دولتان كانتا تتشاركان كل أسرار الحرب. اليوم يمكن أن توقف صفقات استحواذ فقط لأنّ أحدا لا يعرف بالضبط ماذا سيترتب عليها من نتائج “جاسوسية”.

افرحوا يا قادة الصين فالشك في كل مكان. ابتسامة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الجاسوس السابق، ترتسم. المهمة أنجزت. العالم كله جواسيس.

24