العالم كمسألة عونية خالصة

الخميس 2015/10/15

يصر بشار الأسد على طمأنة الجنرال ميشال عون بشأن طموحه الرئاسي. يربط وصول هذا الطموح إلى خواتيمه السعيدة بتغييرات ميدانية سيصنعها التدخل الروسي الذي تم بطلب منه وفق ما ذكرته مجلة “دير شبيغل” الألمانية. الأسد قرر استدعاء الروسي إثر تيقنه أن الإيراني ليس معنيّا بالمحافظة عليه وعلى نظامه، بعد أن أصبح المتحكم الحصري بالجيش السوري والعمليات العسكرية على الأرض.

كل ما فعله الجنرال عون إبان إحيائه لذكرى 13 أكتوبر، وهي ذكرى احتلال الجيش الأسدي لقصر بعبدا وقتل عشرات الضباط والجنود اللبنانيين، كان الاستجابة لمفاعيل وعود بشار المخدرة، والركون إلى لحظة يمكن أن نطلق عليها اسم “الحلم الروسي الجميل”.

تقمص الجنرال عون التدخل الروسي وأخذ ينطق باسمه ويضرب بسيفه وكأن العبور إلى الرئاسة بات مُعبَّدا بالسوخوي والميغ. شعب لبنان العظيم الذي لا يكل الجنرال من مناداته، ودعوته للمشاركة في المواسم المهرجانية، لم يعد موجوداً على الإطلاق، بدليل غياب الأثر والحضور الفعلي في المعادلات المشتهاة التي منحها الجنرال طابعا “بوتينيا” حاسما.

جمهور الجنرال تبع الخريطة النفسية لقائده فرفع العلم الروسي وصور بوتين، إضافة إلى لافتات تمجد شعبا يقوده الجنرال وحسن نصرالله ويشكل المسيح عماده.

تشعبت الإحالات وتوسعت دون أن تستطيع أن تجد لنفسها محلا لبنانيا ولو كنقطة انطلاق.

الشعب الذي يقوده الجنرال ينتظر حرب بوتين الأرثوذوكسية التي يرفض بوتين، نفسه، إسباغ هذه الصفة عليها، لأنه يعلم أنه لا يستطيع تحمل تبعات حرب دينية. الشعب الذي يقوده نصرالله ليس معنيا بالمشروع اللبناني، بل هو يهرق الغالي والنفيس في سبيل إيران التي تحتقر العرب ككل سواء أكانوا مسلمين أو مسيحيين.

البابا الراحل القديس يوحنا بولس الثاني قال للبطريرك مار نصرالله بطرس صفير خلال زيارته الفاتيكان عام 1991 “عون قسّم المسيحيين”. كاتب سيرة البطريرك صفير طوني سعد أدلى بهذه المعلومة لإذاعة صوت لبنان مؤخرا، مشيراً أنها من الأسرار التي طلب البطريرك عدم نشرها إلا بعد مرور وقت طويل، وأكد أنها موثقة في مذكراته المكتوبة بخط يده.

ربما يعتبر عون أنه يستطيع تجاوز هذه النظرة البابوية وسواها عبر ركونه إلى إحاطة نفسه بهالة عليا من القداسة تجعل منه مصدر القداسات كلها.

أنصار الجنرال لا ينظرون إليه نظرة الراهب الزاهد أو القديس المحارب، بل صار المسيح نفسه في نظرهم، لذا لم يعد ما يقوم به قابلا للنقاش بل محلا لتأويلات شتى، تنحصر وظيفتها في كشف الأبعاد الخفية الكامنة خلف تصريحاته وسكناته.

هكذا يصبح عون مانحا للقداسات، وغير مطلوب منه، بأي شكل من الأشكال، تفسير أو تبرير أي شيء. من هنا يمكن لشعب لبنان العظيم أن يكون أي شيء وكل شيء دون أن يفقد صفة شعب لبنان العوني العظيم، لأن الجنرال يستطيع أن يخلق شعوبا عظيمة ويديرها عن بعد دون بذل أي جهود.

لعل مصطلح الحرب الكونية على العونية الذي نسجه الجنرال في خطابه الأخير، يدل على عمق حالة القداسة التي يتمتع بها، والتي تتطلب مواجهتها تجمع كل قوى الشر الشيطانية الكونية.

يستدعي الجنرال حربا كونية ضده ليحاول تكبير حجمه الذي يعاني من حالة تقلص مستمرة لم يعد من الممكن ترميمها سوى بالأسطرة. يعلم الجميع أن لبنان لم يعد أولوية دولية ولا حتى عربية في هذه المرحلة، التي تحاول فيها كل القوى المتصارعة في المنطقة وفي العالم، تركيب معادلات تحمي من خلالها أدوارها ومواقعها خدمة لأمنها الداخلي واستقرارها.

كشف التدخل الروسي في سوريا عن رغبة روسية في انتزاع دور ما في رسم خرائط المنطقة الجديدة بشكل تكون فيه مصالحها مؤمنة.

لعل العنوان الأكبر الذي دفع بروسيا إلى التدخل هو محاولة القضاء على الروس الذين يقاتلون في صفوف داعش، إضافة إلى سعيها لخلق حالة إنهاك عامة عند غالبية القوى المتصارعة لإجبارها على القبول بحل سياسي ترعاه ويقبل به المجتمع الدولي.لا تستطيع روسيا اللعب إلا ضمن هذه الحدود، وأي محاولة لها لتجاوزها سوف تتسبب بنتائج كارثية ليست قادرة على تحملها.

التدخل البريطاني والفرنسي يهدف كذلك إلى القضاء على المنتمين إلى تنظيم داعش الذين يحملون جنسيات بريطانية وفرنسية استباقا لعمليات أمنية تفجيرية قد يقومون بها حين يعودون.

إعلان روسيا القبض على مجموعات كانت تنوي القيام بتفجيرات في موسكو، يقول إن عنوان التدخل الخارجي لمعظم هذه الدول الغربية، وخصوصا روسيا، إنما يهدف إلى صيانة الأمن الداخلي وتمكين الأنظمة القائمة.

يريدنا الجنرال عون أن نؤمن أن العالم بات مسألة “عَوْنيّة” خالصة، وأن الحالة “العونية” هي التي ترسم خريطة طريق السياسة العالمية والحروب الكونية وغيرها. كل هذا يعني أن ممارسة الشأن العام في لبنان كما يرسم صورتها الجنرال باتت عبارة عن هستيريا خالصة.

كاتب لبناني

8