العالم مقدم على مرحلة ما بعد النفط

الثلاثاء 2017/05/16
استعداد لما قبل النضوب

يذهب العديد من الباحثين وخبراء الاقتصاد إلى أن أهمية النفط في الحضارة الإنسانية وفي الاقتصاد العالمي آخذة في الانزواء والتراجع، وأن العالم أصبح على أبواب زمن “اللا نفط”، ويقولون إن الدول تتسابق حاليا على إنتاج الكهرباء من مفاعلات للطاقة النووية، وخفض الاعتماد على الوقود الأحفوري (النفط والغاز والفحم) واللجوء إلى مصادر بديلة لإنتاج الطاقة كالشمس والهواء والماء.

النفط الخام يمثل حاليا نحو 36 بالمئة من الاحتياجات العالمية للطاقة، والغاز الطبيعي 24 بالمئة، والفحم الحجري 28 بالمئة، لكن ما يستهدفه الغرب هو أن يبلغ الاعتماد على الطاقة البديلة 30 بالمئة بحلول 2030، وهو ما يضع النفط ومنتجيه في مأزق كبير.

ويشار هنا إلى أن دول الخليج العربي النفطية باتت تتفطّن إلى دراسات أميركية تطالب بخفض الاعتماد على نفط الخليج والاتجاه إلى أماكن إنتاج أخرى -كأفريقيا- نظرا إلى الصراعات التي تعج بها دول الشرق الأوسط الآن، ما يمثل خطورة على استثمارات الغرب بهذه المنطقة، خاصة وأن النفط الأفريقي أرخص سعرا وأكثر أمانا في نقله، ولذلك أصبح النفط الأفريقي على قائمة اهتمامات الولايات المتحدة ودول الغرب والصين.

النفط تتراجع أهميته بسبب ارتباطه بحركة التجارة العالمية صعودا وهبوطا، ومعدلات نمو الاقتصاد الدولي، وبات ينظر إليه على أنه قد يكون مصدرا للخطر وليس للمكسب

وربما تكون التجربة الرائدة التي تتبعها كل من دولة الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية رائدة في هذا الفضاء، فبدأت كل منهما بالاستعداد للمرحلة المقبلة التي تتراجع فيها كميات النفط المنتجة ويتراجع الطلب عليه.

وقال خبراء إن الدول المنتجة للنفط باتت تواجه تحدّيا أكبر سوف يدفعها إلى تقليص اعتمادها على النفط كأساس لبناء اقتصادياتها، وهذا التحدي هو اتجاه الغرب في الوقت الحالي إلى إعلاء الاعتبارات البيئية والتوجه إلى مصادر للطاقة أكثر حفاظا على البيئة، كالطاقة الشمسية والهوائية والمائية.

ويمكن الحديث في هذا الصدد عن الاتفاقيات الدولية التي تم توقيعها والمتعلقة بخفض الانبعاثات الكربونية لحماية الأرض من ظاهرة الاحتباس الحراري وارتفاع درجات الحرارة.

كما أن ثمة تقدما هائلا في تكنولوجيا استعمال بدائل النفط، حتى أصبحنا نقرأ كل يوم عن سيارات وأجهزة ومصانع استغنت عن النفط وباتت تعمل بالطاقة الشمسية.

ما يمثل ضرورة مُلّحة الآن أمام الدول المنتجة للنفط هو ضرورة تقليل اعتمادها على النفط نظرا إلى ما يتردد عن قرب نضوبه في باطن الأرض، حيث توقعت دراسات أعدتها وكالة الطاقة الدولية أن إنتاج النفط التقليدي سوف يبلغ ذروته في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، ثم تبدأ رحلة نضوبه تدريجيا، ما يحتّم على الدول المنتجة تنويع اقتصادياتها وخفض الاعتماد عليه.

علاوة على أن النفط كان دائما سلاحا ذا حدّين من الناحية السياسية، وقد نجح العرب في استخدامه وتوظيفه في أعقاب حرب 1973، بينما عاد الغرب بعد ذلك بسنوات فحوّل النفط إلى وسيلة للضغط عليهم، واستخدمه كأداة لتأجيج الصراعات

القيمة النسبية للنفط في الاقتصاد الدولي تتراجع نتيجة لعوامل عديدة، منها كما سبق أن الاتجاه إلى بدائل أخرى للحفاظ على البيئة أصبح عملية ملحة، لكنّ هناك عاملا آخر يكمن في تزايد عدد الدول المنتجة له في مناطق كثيرة بالعالم، في أفريقيا وروسيا والبعض من دول أميركا اللاتينية، ومعروف أن زيادة العرض تؤدي بالضرورة إلى خفض الثمن، وبالتالي فإن القيمة النهائية تتراجع أمام أنواع أخرى من الموارد، كتجارة المعلومات والتكنولوجيا المتطورة وقطع غيار الحواسب وغيرها.

النفط تتراجع أهميته بسبب ارتباطه بحركة التجارة العالمية، ومعدلات نمو الاقتصاد الدولي، وبات ينظر إليه على أنه قد يكون مصدرا للخطر وليس للمكسب، فضلا عن خضوعه للصراعات الدولية المتفاقمة الآن في الكثير من المناطق خاصة المنطقة العربية، ما يجعل من السهل تعرض الدول المنتجة له لخسائر فادحة في المستقل.

تبقى الإشارة إلى سبب آخر يجعل الكثير من الخبراء يشككون في استمرار النفط على رأس اهتمامات الإنسان المعاصر، وهو الاتجاه العام في العالم الغربي إلى الصناعات التي لا تحتاج إلى أعداد كبيرة من البشر والاستغناء عن الصناعات كثيفة العمالة التي ارتبطت بالنفط والفحم والغاز، وما يسمّيه الخبراء بالصناعة النظيفة والاقتصاد الأخضر سوف يؤثران بالتأكيد على استمرار الطلب على النفط، ومن هنا يأتي التحدي الحقيقي أمام الدول المنتجة.

12