العالم من الجانب الآخر

"الفرجة" ليست سيرة قصيرة نتسلى بها وينتهي الأمر، بل هي فلسفة متكاملة سيكون حظ العرب وفيرا إن وصلوا إليها يوما، حين يحصّنون أنفسهم، ويتوقفون عن التصرّف كريشة وسط ريح، فلا يعود يتلاعب بهم تيار ديني أو طائفي أو عنصري.
الجمعة 2020/12/04
البطريق يستمتع بمشاهدتنا

قرّر مركز لندن للأحياء المائية، وبسبب شح الزوار إثر إجراءات العزل التي فرضها فايروس كورونا، تطبيق برنامج نوعي جديد يظهر آثار تلك الإجراءات ولكن على الجانب الآخر من سكان الأرض.

البرنامج خاص بهذه الفترة من السنة التي تكتنفها الأعياد، ويقضي بعرض أفلام عيد الميلاد للكائنات المحتجزة بعيدا عن بيئتها الطبيعية، كي تنقذها تلك الأفلام من ”الوحدة“ التي بدأت تشعر بها من دون البشر.

وقد بدأت بطاريق الجنتو بالفعل بمشاهدة ما كنا نستمتع به من وجبة الأفلام الموسمية التي تسبق الأعياد، بل إنها أظهرت مدى استمتاعها بالأحداث وبثياب سانتا كلوز الحمراء والبيضاء، كما تقول ليا بيتيت عالمة الأحياء المائية التي تعمل في الأكواريوم ذاته الذي تم غلقه بالكامل، منذ مطلع نوفمبر الماضي.

البطريق يستمتع بمشاهدتنا إذا. ولمَ لا؟ ونحن قضينا الدهور نستمتع بمشاهدته أيضا وهو حبيس؟

هي لقطة فيديو بجدارة، لا أقلّ من ذلك. لقطة أعادتني إلى كتاب صغير يحمل عنوانه الكلمة ذاتها، كنت أحرص لا على اقتنائه وحسب، بل على شراء العديد من النسخ منه وإهدائها لقلة مختارة من الأصدقاء المؤثرين. كتاب الفنانة اللبنانية الراحلة مي غصوب ”العرب في لقطة فيديو“ الذي دوّنت فيه بجرأة كيف نظرت إلى العالم، وكيف رأتنا نحن في هذا العالم، منذ أن كانت طالبة شابة في كلية الفنون الجميلة في بيروت.

الرسالة التي لم تقلها غصوب في كتابها، أننا نعيش في عصر ”الفُرجة“. حسنا. لكن من يتفرّج على من؟ خيّل إليّ بعد قراءة الكتاب، أننا نحن، العرب، في ذلك الكادر السينمائي والعالم يتفرّج علينا، يراقبنا، يتأثر من أجلنا، يسخر منا، يسخط علينا، يضحك بسبب مواقفنا وأفكارنا. باختصار نحن حبيسون في تلك اللقطة، ولا نريد أن نخرج منها، وعلى الله التدبير.

و”الفرجة“ ليست سيرة قصيرة نتسلى بها وينتهي الأمر، بل هي فلسفة متكاملة سيكون حظ العرب وفيرا إن وصلوا إليها يوما، حين يحصّنون أنفسهم، ويتوقفون عن التصرّف كريشة وسط ريح، فلا يعود يتلاعب بهم تيار ديني أو طائفي أو عنصري أو جاهلي أو سواه. وهي أمنية لطالما تمنّاها حكماؤهم في الماضي وليس أقلّهم تميم بن أبيّ بن مقبل حين قال ”إنْ يَنْقُصِ الدَّهْرِ مِنِّي فَالْفَتَى غَرَضٌ، لِلدَّهْرِ مِنْ عُودِهِ وَافٍ ومَثْلُومُ، وإِنْ يَكُنْ ذَاكَ مِقْدَاراً أُصِبْتُ بِهِ، فَسِيرَةُ الدَّهْرِ تَعْوِيجٌ وتَقْوِيمُ، مَا أَطْيَبَ العَيْشَ لَوْ أَنَّ الفَتَى حَجَرٌ، تَنْبُو الحَوادِثُ عَنْهُ وَهْوَ مَلْمُومُ“.

مَلمومُ أي غير مبعثر كما هو حالنا اليوم. والكل يتفرّج علينا، مثل فيلم في حديقة حيوانات تشعر بالوحدة وتريد أن تتسلّى.

24
مقالات ذات صلة