العالم نسّاء.. ربما لأنه كثير التذكّر

القارئ للتاريخ القديم والحديث يعرف أن أوبئة كثيرة سبقت كوفيد-19 وحصدت أرواح الملايين من البشر، لكنها لم تنجح في هز القناعات وتبديل المفاهيم إلى نقيضها.
الأحد 2020/04/19
كورونا.. الحدود مفتوحة

لا يمكن للمرء أن يقلب صفحة من كتاب إلا إذا كان قد قرأها، فتحيله عندئذ، إلى ما بعدها. هذا هو حال التاريخ: كل شيء معنون، مرقّم ومجدول على شكل محاور وفصول، تسندها هوامش تحيل المتمعّن فيه إلى مراجع ومصادر وشواهد، ولكن، ماذا لو أنهى الواحد قراءة ما بين دفتي هذا الكتاب لينتقل إلى كتاب آخر، شديد الاختلاف والتفرّد في العنوان والمحتوى والأسلوب والمزاج؟

العالم اليوم أمام كتاب جديد، لا ورقيا ولا رقميا، لا شرقيا ولا غربيا.. ويبدو مربكا في أطروحاته إلى حد الغرابة والاستهجان، وذلك من حيث زوايا النظر إلى جملة قيم فكرية وأخلاقية وروحانية سوف تتحكم في البشرية طيلة أجيال قادمة.

“ما قبل كورونا ليس كما بعدها” مقولة قد تبدو مكررة بل أحيانا، ممجوجة ومستهلكة، إلى حد أنك لو وضعتها على محرك بحث مثل غوغل، تجدها وقد تصدرت آلاف المقالات والدراسات، وبمختلف اللغات والمسارب والأهواء.

الكل يدلي بدلوه في هذا السؤال الذي يبدو مغريا للواقعيين والمثاليين، للمتفائلين والمتشائمين على حد سواء، إلى درجة أنك لو طرحته على أي واحد من العامة والدهماء، أجابك فورا، وبمنتهى الثقة: طبعا.. طبعا، العالم بعد كورونا لن يكون كقبله.

أمّا عن المتخصصين من اقتصاديين وسياسيين، ومفكرين يصفون عقولهم بـ”الإستراتيجية” فسيطنبون في شد الموضوع إلى صالحهم. أنصار البيئة، مثلا، سوف يستبشرون بحالة ثقب الأوزون الذي بدأ بالتعافي، وينظرون بإيجابية إلى مشهد قطعان الأيائل والوعول التي تحتل المدن المجاورة للغابات، وكذلك أسراب الطيور والأسماك وهي في مأمن من بنادق وشباك الصيادين.

ويتنبأ المناهضون للرأسمالية -في نظر الكاتبة ماري هيلين مياوتون، في صحيفة “لو تون” السويسرية- بأن هذا النظام البغيض قد ولى إلى غير رجعة،  في حين يرى الحمائيون أن الحدود سوف تُستعاد بشكل دائم، ويعتقد محبو أوروبا أن الاتحاد سوف يخرج معززا من هذه الأزمة، في حين يرى مناهضوه أنه سينفجر. ولعلّ تذمّر الحكومة الإيطالية واستياءها من شركائها الأوروبيين الذين خذلوها في محنتها، خير دليل على ذلك.

الأنظمة الصحية وصناديق الضمانات الاجتماعية سوف تتعافى، تعيد تنظيم نفسها بشكل مفيد، وتقف على أقدامها بفضل “خسائر بشرية لا بد منها” في نظر “ذوي القلوب القاسية” من المحللين الاقتصاديين الإستراتيجيين الذين يرون في كبار السن عبئا يثقل كاهل الدولة. كما أن من المؤكد أن الجائحة قد دقت نواقيس الحذر والإنذار، وجعلت دولا كانت غافلة، تفكر في تأمين استقلالها فيما يتعلق بالمنتجات الإستراتيجية، ولكن، هل يحدث هذا كله، تغييرا جذريا في النموذج الاقتصادي أو الاجتماعي أم أن الأمر مجرد خوف مبالغ فيه إزاء نظم عريقة ومبنية على نظريات راسخة أثبتت جدارتها مدة قرون من الزمن؟

القارئ للتاريخ القديم والحديث يعرف أن أوبئة كثيرة سبقت كوفيد – 19 وحصدت أرواح الملايين من البشر، لكنها لم تنجح في هز القناعات وتبديل المفاهيم إلى نقيضها، فلقد لعق الجميع جراحه بعد كل صدمة، واستمر واثقا من مستقبله متمسكا بالقناعات التي انطلق منها.

هينري كيسنجر حذر، في مقال له، من أن العالم ما قبل كورونا ليس كما بعده، متوقعا حدوث اضطرابات سياسية واقتصادية قد تستمر لأجيال

قس على ذلك في الأزمات المالية، ولننظر إلى سنوات قليلة مضت، ونتوقف عند عام 2008، وتلك الأزمة التي هزّت العالم بعواقبها المالية والاجتماعية، فلقد عاد كل شيء إلى طبيعته المعتادة بل وأفضل حالا، إذ تمت رسملة البنوك وتقويتها لإكسابها مناعة أكثر.

في هذا الصدد يرى محللون أن هذه البنوك “أصبحت حذرة وتعرف كل شيء عن عملائها، ولكن النظام المالي العالمي في الواقع لم يتغير جذريا، بل صار أكثر تركيزا وأكثر أمانا.. والأبعد من ذلك كله أن الناس قد اعتادوا عليه”.

مهلا.. يبدو أن المقاربات التي تقدم حيال أزمة كورونا لم تخرج من المعالجات السياسية والاقتصادية المستأنسة لأبحاث طبية لم تدخل إلى الآن في جدل خارج المخابر والتخصصات، لكن التداعيات الاجتماعية أخطر بكثير من تلك التي نلمحها في حركات الأسواق والتدابير الحكومية، إذ أن البنيان المجتمعي المتفاعل مع أي قرار إجرائي سيتبدل كليا.

ومن كان بالأمس إيجابيا مع أي خطة سياسية سوف يصبح غدا عكس ما يتوقعه السياسيون والاقتصاديون، وربما مخيبا لآمالهم وخططهم التي لم تضع في الحسبان، عقلا جديدا يتشكل، وسيتعامل مع الحياة بطريقة مختلفة.

وفي هذا الصدد، حذر وزير الخارجية الأميركي الأسبق هينري كيسنجر، في مقال له، من أن العالم ما قبل كورونا ليس كما بعده، متوقعا حدوث اضطرابات سياسية واقتصادية قد تستمر لأجيال بسبب الوباء، ملمحا إلى تفكك العقد الاجتماعي محليا ودوليا.

وأوضح الرجل، الملقب بفيلسوف السياسة الأميركية، أن “الإدارة الأميركية قامت بعمل قوي في تجنب الكارثة الفورية. وسيكون الاختبار النهائي هو ما إذا كان من الممكن إيقاف انتشار الفايروس ثم عكسه بطريقة وعلى نطاق يحافظ على ثقة الجمهور في قدرة الأميركيين على إدارة أنفسهم”.

وأشار كيسنجر، إلى أن القادة يتعاملون مع الأزمة على أساس وطني إلى حد كبير، ” لكن تأثيرات الفايروس التي تذوب في المجتمع لا تعترف بالحدود”. هذا على مستوى الدول ذات الاقتصاد القوي والسياسة الفاعلة والمؤثرة، فما بالك بالكيانات الضعيفة والهشة؟ لا شك أن مرحلة ما بعد كورونا سوف تكون فارقة، ولكن هناك قاعدة يمكن الاطمئنان إليها وسط هذه القتامة التي بلغت حد العبثية، وهي أنه “إذا ارتعب القوي وخاف، لا بد للضعيف أن يطمئن ويرتاح”.

ويمكن تدعيم هذه القاعدة بمقولة “ليس للمستضعف ما يخسره غير قيوده” فهل نتفاءل -ولا خيار لنا غير التفاؤل- في هذه الأجواء المعفرة بالخوف؟

5