العالم يحتاج اتحاد العلم والدين في زمن كورونا

الكارثة لا تحتمل مزيدا من المعارك التقليدية بين رجال الدين والعلماء.
الخميس 2020/04/09
أجواء روحانية لمقاومة العزلة

لمن ستكون الغلبة في قلب الحرب التي تخوضها الإنسانية ضد وباء كوفيد- 19؟ هل ستكون الكلمة الفصل للعلم؟ أم أن الدين وحده هو الملاذ الأهم لاتقاء شر الوباء؟ أسئلة يتقاطع فيها العلمي بالروحاني لكنها تنقسم إلى عدة طروحات فيها المنحاز لطرف على حساب طرف، وفيها من يعتقد بوجوب التكامل بين الدين والعلم في مرحلة تقتضي استحضار كل ما ينفع البشرية لتواصل الحياة.

تونس - لم تقتصر تبعات تفشي فايروس كورونا على تلك المحاولات المتكررة لفهم الوباء علميا وطبيا أو تداعياته على كل القطاعات وعلى رأسها بداية انهيار الاقتصاد العالمي، بل إن كوفيد- 19 أحيا أيضا معارك فكرية جديدة قديمة زادت في تعميق حيرة البشر وعلى رأسها الصراع بين العلم والدين.

إلى حدود اليوم ومنذ بداية ظهور الوباء في ووهان الصينية في أواخر 2019، لم يستطع لا العلم تقديم إجابات قطعية عن سبل النجاة من الوباء، ولا الدين حماية الناس من الكارثة الصحية التي يبدو أن كلفتها ستكون باهظة الثمن على عكس ما توقعت الحكومات والعلماء في بادئ الأمر.

وطرح كوفيد- 19 مجدّدا حزمة من الأسئلة عن أطواق النجاة التي بإمكانها تخليص العالم من كارثة غير مسبوقة على الأقل في القرن في الأخير. وفيما يتمسّك المتدينون بمختلف اعتقاداتهم ودياناتهم بضرورة التقرب إلى الله تقربا أكثر كي يصلح أمر البشرية، يذهب العلماء والخبراء إلى القول إن الوباء هو فرصة تمكن فيها العلم من إخراج الدين خارج دوائر الآليات القادرة على السيطرة على الجائحة.

جيمس دورسي: العلم له اليد العليا في وقف مسار فايروس كوفيد- 19
جيمس دورسي: العلم له اليد العليا في وقف مسار فايروس كوفيد- 19

وبالتزامن مع تجند الهيئات العلمية والطواقم الطبية لتقديم بحوث ونصائح علمية بحتة للتوقي من الوباء، ارتفعت أيضا أصوات دينية مؤكدة على أن انتشار الفايروس ما هو إلا “رسائل سماوية للبشرية تقتضي التقرب أكثر من الله”. كل هذا الجدل طرح أسئلة عدة عن أي الأدوار سيلعبها كل مجال، فهل أن المرحلة تقتضي صراعا بين الدين والعلم أم أنها تقتضي التكامل لتجنب حصول كارثة أكبر تشمل كافة البشر بمختلف دياناتهم؟

ويقول الباحث الأميركي المتخصص في السياسات الدولية جيمس دروسي، إن العلم تمكن من إخراج الدين وأساليب الشفاء التقليدية خارج حلبة المعركة المحتدمة بين المناهج المتنافسة في دعم رأيه والسيطرة على جائحة كورونا.

ويستدل الباحث على تواصل الجدل بين العلم والدين بتمسك بعض الأنظمة بالدين كضرورة للخروج من الأزمة حيث انضم رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، والمرشد الأعلى في إيران آية الله علي خامنئي، ورئيس الوزراء الباكستاني عمران خان، ووزير الصحة الإسرائيلي يعقوب ليتسمان إلى الكثير من دول العالم في فرض مستويات من حظر التجوال، والإبعاد الاجتماعي، والبحث عن طرق العلاج والحماية الطبية بعد أن قام الأمر في البداية على الذرائع السياسية، والدعوة للبحث عن طرق العلاج التقليدية، والالتزام بالمبادئ الدينية.

على عكس هذه الأنظمة، اتجهت السعودية بكل ما تحمله من رمزية دينية إلى نهج مسلك العلم، حيث لم يمنع الدين قادتها من إيقاف العمرة مبدئيا وربما الحج في مرحلة ثانية، وذلك رغم أهمية هذه الشعائر لدى المسلمين، وأيضا للمملكة. وفي مقارنة بين الموقفين، تساءل برويز هودبوي، العالم النووي الباكستاني، والمحلل السياسي والناشط في مجال حقوق الإنسان “ماذا لو كان حج هذا العام تحت قيادة عمران خان وليس ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان؟ هل كان سيفشل في اتخاذ مثل هذه القرارات كما فعل في باكستان؟”.

وقال هودبوي ساخرا “كان على باكستان أن تستورد الآن التمور السعودية التي وُصفت بأنها علاج لجميع الأمراض من قبل مولانا طارق جميل، الداعية الأكثر شعبية في باكستان والحليف القوي لخان”. كما لفت إلى موقف رئيس الوزراء الهندي الذي تشبث بحقيقة تأييد القوميين الهندوس لقوة العلاج السحرية لبول البقر، الأيورفيدا، وهو نظام طبي متجذر في التاريخ الهندي.

 وفي إيران اضطر خامنئي، بعد أن قلل من أهمية الفايروس داعيا إلى قراءة “الدعاء السابع في الصحیفة السجادیة”، للاعتراف بالخطر وبضرورة إغلاق الأضرحة. وبنفس الطريقة المتمسكة بالطرح الديني جادل بعض المراقبين الإسرائيليين بأن وباء كورونا يمكن أن يقوض السلطة الحاخامية على نطاق لم تشهده منذ “المحرقة” عندما تخلت أعداد كبيرة من الإسرائيليين عن التعصب الديني بعدما تم إثبات أن النصيحة الحاخامية للبقاء في أوروبا مدمرة.

Thumbnail

في المقابل، اتخذت العديد من البلدان العربية ومنها تونس إجراءات مشددة بإغلاقها المساجد وإلغاء صلاة الجماعة وذلك في استجابة لتقارير الهيئات العلمية والإطارات الصحية. ويرى أصحاب الطرح العلمي الذي تتبناه بعض الحكومات عكس ما يعتقد به المناهضون للعولمة والحضارات أن فايروس كورونا عالمي ودولي، وأن العلم وحده هو القادر في نهاية المطاف على السيطرة على الوباء وإيقافه.

وتوجد مقاربة أخرى توفيقية تبدو أكثر انسجاما مع ما تتطلبه المرحلة وتؤمن بأن دور علماء الدين والأطباء في زمن الوباء دور تكاملي. ويتشبث أصحاب هذا التصور بأنه يمكن للأطباء وعلماء الدين لعب دور مشترك في التوعية بأساسيات الصحة العامة، والنظافة الشخصية، والممارسات الاجتماعية الآمنة كل من منظوره، كما يمكن أن يلعبوا دورا مهما كذلك ببث الطمأنينة والتشجيع على الالتزام بنصائح الأطباء ووضع ثقتهم في الله.

ولتأكيد هذا التصور الأخير، بدت الكثير من المجتمعات التي تعد الأكثر التصاقا بالعلم في حالة تديّن قصوى إثر تفشي الوباء رغم التزامها بكل نصائح الخبراء والهيئات العلمية والمؤسسات الصحية. وفي الولايات المتحدة، بات غالبية الأميركيين يصلون بصفة يومية بمختلف دياناتهم، المسلمون والمسيحيون واليهود في صورة لا تنفي في المقابل، عدم ثقتهم بالعلم.

واعترف جيمس ديو جونيور، رئيس المدرسة اللاهوتية المعمدانية في نيو أورليانز الأميركية، بما أسماه بنظرية “الحرب” التي تشوب علاقة الإيمان بالعلم، لكنه قدم وجهة نظر بديلة تصور الدين والعلم بأنهما “شركاء الحوار”. وقال ديو، الذي يكتب بشكل مكثف عن اللاهوت والفلسفة “نحتاج إلى رحمة الله أكثر من أي وقت مضى. كما أننا بحاجة أيضًا إلى مجتمعنا الطبي للقيام بأفضل عمل ممكن في الوقت الحالي”.

هذه الرؤية، ترجمها الكثير رجال الدين، لكن تبقى الصورة الأكثر لفتا للانتباه، ما قاله البابا فرنسيس في كلمة ألقاها في 8 مارس الماضي “غريبة بعض الشيء هذه الصلاة… اليوم والبابا محبوس في المكتبة… لكنني أراكم وقريب منكم”، كلمة كانت موجهة بالفيديو عبر الإنترنت من داخل الفاتيكان، بدلا من إلقائها عبر النافذة المُطلة على ساحة القديس بطرس، لمنع احتشاد الآلاف من الناس، وسط انتشار فايروس كورونا المستجد في إيطاليا.

6