العالم يحتفي بمئوية دوستويفسكي بروميثيوس الجديد

الروائي الروسي فيودور ميخايلوفيتش دوستويفسكي كاتب عانى ومازال يعاني من الصور المغلوطة عنه.
الأحد 2021/04/04
كاتب استثنائي تسيد فن الرواية

حين نذكر الرواية كجنس أدبي لا يمكننا أن نغفل عن ذكر أبرز أعلامها وأهمّ من خطوا لها طريق الترسخ في أرض الأدب جنسا جامعا ونصا فارقا تسيد كل الآداب الأخرى. ومن هؤلاء الروائي الروسي فيودور ميخايلوفيتش دوستويفسكي الذي قدم للأدب العالمي منجزا استثنائيا جعل كل العالم يحتفي بمئويته الثانية، إذ لم يتراجع الاهتمام بنتاجات هذا العبقري الروسي رغم مرور السنوات.

أعلنت منظمة اليونسكو أن عام 2021 هو عام دوستويفسكي بامتياز، حيث تحل الذكرى المئوية الثانية لميلاده في أكتوبر القادم، فقد ولد فيودور ميخايلوفيتش دوستويفسكي في أكتوبر 1821، وتوفي في فبراير 1881 بنزيف في الرئة، عن عمر ناهز الستين عاما، كما أكدت اليونسكو أن الاحتفالات لا تشمل روسيا فقط، بل ستكون في مختلف بلدان العالم.

وهذه الاحتفالات تأتي تأكيدا لقيمة أديب روسيا الكبير الذي تَركَ أثرا كبيرا على الرواية العالمية؛ إذْ استطاع من خلال أعماله على تنوّعها (الروائيّة والقصصيّة) تجسيد الخصائص التراجيديّة للحياة الروسيّة والأوروبيّة الغربيّة، لا لعصره فحسب بل وللعشرات من السّنين التالية. فهو، بتعبيره، يكتب عن الواقع الجاري لما يمثّله هذا الواقع من أزمة وتحوّل في حياة روسيا وأوروبا، فهو عصر يُمثّل نهاية مرحلة ومقدمة لبداية مرحلة أخرى جديدة من التطوّر التاريخي الاجتماعي – الثقافي. ولا تقتصر أهمية تراث دوستويفسكي عند الأدباء فحسب، فآينشاتين اعترف أن “روايايه قدمتْ له لأجل فهم نظرية النسبيّة أكثر مما قدمه كل تراث إيلير الرياضي”.

بروميثيوس وأبطال نيتشويون

لأعمال دوستويفسكي مكانتها في الأدب العالمي بما تركته من تأثيرات على القرّاء من مختلف الجنسيات، فقد كان أشبه بجرّاح وهو يُعالج عَطب المجتمع وما يعتري النفس البشرية من أضرار وعِلل، فتارة يتمثّل دور الحكيم في تشخيصه وغوصه في أعماق النفس البشرية؛ كاشفا عن ضعفها وهشاشتها وعجزها وخطيئتها، فكما يقول رازوميخين في رواية “الجريمة والعقاب” “إنني أحب هذا، أحب أن يخطئ الإنسان، إن هذا هو امتياز الإنسان الوحيد على سائر الأحياء، وبهذه الطريقة يصل الناس إلى الحقيقة؛ أنا إنسان، وأنا إنسان لأنني أخطئ وأمتص الخبرات والتجارب من الحياة؛ لعل الخطأ الأصيل خير من حقيقة تافهة”.

دوستويفسكي كان متابعا جيدا لما يصدر في المجلات، فيقرأ سواء ما كُتب عنه أو عن أعمال غيره
دوستويفسكي كان متابعا جيدا لما يصدر في المجلات، فيقرأ سواء ما كُتب عنه أو عن أعمال غيره

 وتارة ثانية يتمثّل دور الفيلسوف في رؤيته العميقة والبعيدة لهذه الأعطاب، وسعيه لاكتشاف طبائع البشر وإدراك اختلافاتهم والنفوذ إلى أعماق أرواحهم ورسم صورة كاملة عن مختلف أشكال حياتهم وأفكارهم ومشاعرهم، وهو ما حدا بالفيلسوف نيتشه لأن يقول “دوستويفسكي مُعلّم النفس الوحيد الذي استفدتُ منه”، وهو ما أكده فرويد أيضا بقوله “دوستويفسكي معلم كبير في علم النفس، لا أكاد أنتهي من بحث في مجال علم النفس الإنساني حتى أجد دوستويفسكي قد تناوله قبلي في مؤلفاته”.

وتارة ثالثة يتمثّل الكاتب دور المصلح الاجتماعي في تنديده بالفساد والسعي إلى اقتلاعه من جذوره، وتارة أخرى يتمثّل دور القديس أو النبي بما احتوته هذه الأعمال من رؤى إيمانيّة دينيّة، فكما يرى نابوكوف “أن شخوص دوستويفسكي يستمرون في إراقة دم المسيح؛ ليصِلوا إليه”.

ويقول ميخائيل باختين في دراسته الواسعة “قضايا الإبداع عند دوستويفسكي” “إن دوستويفسكي شأنه شأن بروميثيوس جوته، لا يخلق عبيدا مسخت شخصياتهم (مثل فعل زيوس)، بل أناسا أحرارا مؤهلين للوقوف جنبا إلى جنب مع مبدعهم، قادرين على ألا يتفقوا معه، بل وحتى على أن يثوروا في وجهه”.

وهذا المعنى يشي بجوهر الفكرة التي آمن بها دوستويفسكي في سعي الناس العاديين أو غير العاديين إلى التغيير، حتى لو تمّ هذا التغيير بالعنف أو الدم، على نحو ما رأينا في الرغبة الجموح للطالب راسكولينكوف (بطل الجريمة والعقاب) الذي فُصل من الجامعة لفقره؛ لتغيير العالم، فهو يؤمن، كما يقول غيورغي فريدلندر، بحق بعض الناس (مقرري المصير) في أن يصنعوا التاريخ بحرية تامة، وبحسب الحق الممنوح لهم دون أن يوقفهم الدم أو الشر.

وفي روايات دوستويفسكي نجد أن عنف المظلومين أو “معذَّبو الأرض”، بتعبير فرانز فانون، “عنف نيتشوي” كما يقول سارتر، وهو ما نجد له صدى عند “كيريلوف” في “الشياطين” فهو يريد أن يُضحّي بنفسه في سبيل إيقاظ البشرية الراقدة وحسَّها على إيجاد طريق جديد، وهي الأطروحات التي آمن بها “فرانز فانون” بحتمية المقاومة بالعنف، بل هو أساسي في عملية التغيير السياسي على عكس ما كانت تدعو حنّة أرندت وغاندي، حيث يدعوان إلى “المقاومة اللاعنيفة” بوصفها مصدرَ قوة.

ومن ثمّ ظلّ أبطاله/ شخصياته على اختلاف طبيعتهم التكوينيّة والنفسيّة التي رسمها بها كراسكولنيكوف والأمير مشيكين وستافروجين وإيفان كرامازوف وناستاسيا فيليبوفنا والمفتش الكبير والمرابية العجوز (إلينا إيفانوفنا) والمقامر… وغيرهم، ظلت جميعها موضع إعجاب وتقدير وتعاطف (بالإيجاب لا السلب) في كثير من الأحيان، بل وصل الأمر إلى تبرير جرائمهم على نحو ما حدث مع راسكولنيكوف. وقد غدت صورة الأمير مشكين وهو يحمل مخلاته التي تتناقض مع لقبه الذي يحمله موضع تساؤل قُرّاء الأبله، وبالمثل مونولوجات راسكولنيكوف بطل الجريمة والعقاب، وكذلك هلوسات إيفان مع الشيطان ظلتا موضع دهشة وتساؤلات وحيرة، ومن جانب آخر صار الأبطالُ / الشخصيات شخصيات أدبية لأعمال أدبيّة أخرى.

دوستويفسكي خلق في أعماله نموذجا جديدا للبطل التراجيدي في القرن التاسع عشر
دوستويفسكي خلق في أعماله نموذجا جديدا للبطل التراجيدي في القرن التاسع عشر

وكما يقول غيورغي فريدلندر، خلق دوستويفسكي في أعماله نموذجا جديدا للبطل التراجيدي في القرن التاسع عشر، على غرار الأبطال التراجيدين؛ الملحمة (التراجيديا اليونانية القديمة) والمأساة الكلاسيكيّة القديمة (مآسي شكسبير)، وإن كانوا يتسمون بأنهم أناس “بارزون يتمتعون بوعي عميق وإرادة قوية، وهم جميعا يفكّرون بالعالم بصورة متعمِّقة، وإن فكّر كلّ منهم على طريقته الخاصّة، ويَعُونَ تبديل حياتهم والحياة المحيطة بهم، وهم مستعدون للعمل والنشاط، غير أنهم سُذج، وتلك صفة أخرى لأبطال دوستويفسكي”.

 وأطلق الباحث الأميركي روبرت جاكسون على دوستويفسكي “أيقونة وعي الذات”، ومرجع ذلك عنده لأنك عندما “تقرأ روايات دوستويفسكي تشعر أنه إنسان أدرك أسرار الوجود بهذا القدر من العمق والنفاذ مثلما هي الحال في المعبد وأنت تقف أمام الأيقونة في أثناء الصلاة، فإذا كنتَ تَرى في مواضيع رسوم الأيقونات والوجوه الواقع المتحوّل بنور العالم، ففي روايات دوستويفسكي تُدرك الجوهر الرّباني للخلق المطبوع في جسد المظهر الأرضي”، فإننا نلتمس أيضا من خلال أعماله جوانبَ من شخصيته، فالكثير من شخصيات رواياته كانت منحوتة من واقعه، على الرغم مما لُصق به من اختيار شخصيات شاذّة عن المجتمع، بل ويضعها في مواقف صعبة وقاسية.

 وقد دافع دوستويفسكي عن واقعيته القاسية قائلا “إن الإنسان على سطح الأرض لا يحقُّ له أن يُعْرِضَ عمّا يجري على الأرض ويتجاهله، فثمّة أسباب أخلاقيّة تمنعه من ذلك”، إلا أنها نتاج الواقع فعلى سبيل المثال شخصية المقامر وأفكاره هي نِتاجُ الصّراع أو الدياليكتيك الدائر في عقل دوستويسفكي بين ولعه بالمقامرة ورغبته في الإقلاع عنها. الكثير من المشاهد الروائية هي ليست نتاج مُخيّلة دوستويفسكي بقدر ما هي نتاج ما مرّ به من أهوال وأحداث، فمشهد الإعدام الذي تعرّض له عام 1849، عندما حُكم عليه بتهمة الانضمام إلى جماعة بتروشيفسكي، هو نفس المشهد المذكور في رواية “الأبله”.

وجوه دوستويفسكي

قال دوستويفسكي عن بوشكين “إن على معاصريه ومن يجيئون من بعده أن يكتشفوا لغزه”، في رأيي كأنه يقول هذا الرأي على نفسه أيضا، فكثير هي الكتابات التي تناولت حياته وسيرته، وجميعها تكشف عن أوجه متناقضة لشخصيته، فهو متقلّب الأهواء، متعدّد الأوجه، بل يُعدُّ أحيانا شخصا مُنفِّرا يُثير الشعور بالكراهية الشديدة، في حين يبدو في صورة الشخص المثالي الرومانسي التقيّ في مذكرات أخرى.

فلئن كانت أعماله، كما يُقرّر نقاده على اختلاف انتماءاتهم الأيديولوجية، تكشف عن الوجه الحقيقي للمجتمع الروسي المتنوّر، فإن كتابات دوستويفسكي من خلال رسائله وإن كان يعترف بتواضع جمّ أنه لا يجيد كتابة هذا النوع، فعلى حدّ استعارته مقولة بطل غوغول “الرسالة سخافة، ولا يكتب الرسائل إلا الصيادلة”. وكتابات الآخرين عنه أضاءت الكثير من جوانب شخصيته الحياتيّة والإبداعيّة في آن واحد؛ لتضعنا أمام صورة متكاملة أو صورة بلا رتوش لدوستويفسكي الذي لم يتورّع في أوّل لقاء مع عاملة الاختزال آنا جريجوريـﭬنا (التي ستصير زوجته في ما بعد) من أن يكشف لها عن حالته الصحيّة/ المرضية وأن نوبات الصرع تباغته بين الفينة والأخرى.

أبطال وشخصيات دوستويفسكي على اختلاف طبيعتهم التكوينية والنفسية كانوا موضع إعجاب وتعاطف إلى حد تبرير جرائمهم
أبطال وشخصيات دوستويفسكي على اختلاف طبيعتهم التكوينية والنفسية كانوا موضع إعجاب وتعاطف إلى حد تبرير جرائمهم

ويمكن لنا أن نتلمّس صورَ/ وجوه دوستويفسكي كزوح وأب وكاتب، وأيضا كرجل عادي، من خلال تلك اللوحات العذبة التي رسمتها زوجته آنّا جريجوريـﭬنا دوستويفسكايا في “مذكرات زوجة دوستويسفكي”، وكذلك ابنته لوبوف فيودوروفنا دستويفسكايا في كتابها “أبي فيودور دوستويفسكي”، وبقدر ما حملت مذكرات الزوجة والابنة قدرا كبيرا من المحاباة والحب لشخصية الأب والزوج المبدع، إلا أن هذه الصورة لم تختلف كثيرا عما كتبه أصدقاؤه وناشروه في تقديم أبعاد مُتعدِّدة لشخصيته.

فجميع مَن كتبوا عنه لم يتوقفوا عند جوانبه السلوكية وحدود علاقاته بالآخرين (الأقارب وغيرهم) أو حتى الأدبية وتقييم أعماله فحسب، وإنما رسموا تابلوهات بالألوان له عن شخصيته بما فيها هيئته الخارجية وسلوكه اليومي، وعاداته، في الطعام والشراب، وما يطيب له منهما، ومسكنه وصحته، وكذلك علاقاته النسائية التي لم يأتِ ذكرها في مذكرات زوجته، وهو ما رَصده الرّوائي البريطاني أليكس كريستوفي في كتابه “دوستويفسكي عاشقا: حياة عاطفية”، وأيضا حروبه المتواصلة مع الدائنين وهو الأمر الذي سرد الكثير منه، بلا خجل، في رسائله حيث استغاثاته (المتكررة) للناشرين ولزوجته لإمداده بالعاجل من المال، كي يتخلّص من الورطات التي أوقعته فيها هوايته للمقامرة، ومع هذا فقد أجمع كلّ مَن تناولوا شخصيته بأن جميع البشر، بما في ذلك المتحاملين عليه، قد وقعوا تحت تأثير سحره وفتنته.

والصورة التي رسمها أفراد العائلة (الزوجة والابن والابنة) هي صورة لأب مثالي، يظهر تقديسه للحياة الأسرية ولا يتخلّى عن التزاماته العائليّة، دون أن يكون حائلا أمام رغباتهم، وإن أظهر في بعضها غيرته اللامحدودة، وكان هذا الالتزام حاضرا في موقفه من سداد مديونية أخيه ميخائيل ووقوفه إلى جوار أسرته بعد وفاته المفاجئة، وأيضا في عدم تخليه عن ابنه باﭬل، على الرغم من المضايقات التي كان يُسبِّبها له وللمحيطين به.

وقد تتبّعُوا فيها كل حالات الأب ومزاجه، وعاداته الصباحيّة منذ الاستيقاظ مرورا بالكتابة بأناقته الكاملة التي لا تُفارقه أبدا، وكذلك عاداته في شرب الشاي (الذي كان يجد لذته في صُنعه بنفسه) والسجائر اللف، دون أن يتخلّوا عن إنسانيته وروحه المرحة حتى وهو في أثناء غُسْله الصباحيّ بغنائه بصوت ناعم أغنية قصيرة لا تتغيّر. كما يجمعون على أنه كان أبا رؤوما في عنايته بأولاده واللّعب معهم وإشرافه على طعامهم قبل الرّقاد، وأيضا وهو يفحص الأبواب كلها قبل النوم. فهو في حياته اليومية مثل سلوكه في الكتابة، يحرص على أن ينجز كل شيء بدقة وبتأن واضح.

ومثلما تناول المقرّبون منه كل ما يحيط بجوانب حياته، توقفوا أيضا بالتزامن عند جوانب الإبداع عنده، لما يمثّله الإبداع والأدب من قيمة كبرى؛ فالأدب هو وطنه على نحو ما وصف الناقد نيقولاي ستراخوف، أما عن طرائق الكتابة فكما تقول زوجته آنّا كان يكتب بسرعة غير عادية، وإن كان معروفا عنه أنه صاحب اللحظات الأخيرة في الكتابة “فكان يشرع في الكتابة فقط عندما يظل الوقت المحدد ضئيلا جدّا”. وكان لتأثير حالة الفاقة التي عانى منها دوستويفسكي طوال حياته أثرها البالغ على حالة عدم الرضا التي كان يُقابل بها أعماله، فهو دوما تحت تأثير الضغط والدائنين، يعمل في عجلة، دون أن تتيسّر له فترة كافية لقراءة ما كتب. وقد يدفعه هذا إلى كتابة روايتين “المقامر والجريمة والعقاب” في وقت واحد.

في مرآة ذاته

أن يخطئ الإنسان، هذا هو امتياز الإنسان الوحيد على سائر الأحياء (لوحة: عمران يونس)
أن يخطئ الإنسان، هذا هو امتياز الإنسان الوحيد على سائر الأحياء (لوحة: عمران يونس)

في رسائله التي قام بترجمتها خيري الضامن في جزأين الكثير من التفاصيل عن حياته وعلاقاته بالآخرين وآرائه فيهم والتي تكاد تكون صادمة بعض الشيء، فغوليادكين، عنده، “اسم على مسمى، سافل ودنيء لا أحد يصل إلى مقامه”، ونكراسوف “نصّاب بالفطرة”، وكذلك ظروف كتابته لأعماله، وغيرها من تفاصيل دقيقة تقدّم هي الآخرى صورة بلا رتوش بقلمه عن نفسه، دون أن يقصد بالطبع.

وتحضر في الرسائل شخصيات عائلية كأمه ماريا دوستويفسكايا وأبيه ميخائيل دوستويفسكي وأخيه ميخائيل وقد حظي بعدد كبير من الرسائل، وكان ثمّة تبجيل له، ويصفه دوما بصديقي الغالي وأخي الحبيب، كما يتناقش معه حول أمور أدبيّة ومشاريع كتابية وترجمة، وفي مراجعاته لترجمة أخيه، نراه مُدقِّقا خبيرا، يُصحّح الهنّات ويعيد صياغة الجمل في الأشعار، كما نستشعر في الرسائل همَّ الدين الذي يؤرّق مضجعه ليلا ونهارا، وخططه من أجل الحصول على المال، وحثّه لأخيه على الكتابة والترجمة، ويرد أيضا خاله وزوجته (وفي رسائلهما يكشف عن شخصية مُحبة لأفراد عائلته باعتذاره عن عدم التواصل، وإن كان ثمة تبرير مرجعه انشغاله بدروسه، إلا أنّه لا يعفي نفسه من الذنب).

وتُظهر الرسائل دوستويفسكي متابعا جيدا لما يصدر في المجلات، فيقرأ المقالات سواء ما كُتب عنه أو ما كُتب عن أعمال غيره، والأهم أنه يثور إذا وَجد أغاليط أو أكاذيب يسعى البعض لترويجها، فتظهر قوميته بأنه مواطن روسي غيور على بلده، فنراه يتوقف عند المقالات التي تنشر بغرض تشويه صورة روسيا في الخارج، وهذه العصبية القومية تدفعه لأن يُرسل إلى ولي العهد ألكسندر رومانوف رسالة يوضح له فيها تفشي بعض الظواهر في روسيا، ويردها إلى انفصال التربية الروسيّة طوال القرون عن البدايات والجذور الوطنية الأصيلة لحياة روسيا. ويعيب على المواطنين أنهم من شدة انجذابهم إلى أوروبا نسوا أنهم يمتلكون في أعماق الروح الروسية القدرة على حمل النور إلى العالم الجديد، وإن كان يرهنها بشرط المحافظة على أصالة هذا التطوّر.

عندما تقرأ روايات دوستويفسكي تشعر أنه إنسان أدرك أسرار الوجود بعمق ونفاذ وتحس أنك في المعبد
عندما تقرأ روايات دوستويفسكي تشعر أنه إنسان أدرك أسرار الوجود بعمق ونفاذ وتحس أنك في المعبد

وبصفة عامة تشمل الرسائل تفاصيل بعض أعماله كـ”الشياطين” وأحداثها ومصدر شخصياتها، كما يتحدث عن تفاصيل النشر والكتابة وحالات الحذف والكتابة، وهي نتيحة لعدم الرضا على ما يكتبه، فهو شغوف بعملية إعادة الكتابة بما في ذلك المقالات، فمقالته عن “بيلينسكي” أخذت شهورا حتى استقرّ على صيغتها النهائية ومع الأسف لم تعجبه أيضا، وكذلك يسرد عن ملاحقة الناشر له، وعكوفه على الكتابة من أجل الوفاء بعهده تارة، وتارة أخرى لسداد ديونه.

كما يتناقش مع نقاده في ما كتبوه عنه على نحو مراسالاته لنيكولاي ستراخوف التي يدافع فيها عن قوميته الروسية. وفي الرسائل أدق التفاصيل عن عملية الكتابة، وطرائقها عنده بدءا من التصحيح والمراجعة، أو حتى الغوص في تفاصيل دراسة الواقع تحضيرا لعمل ما، على نحو ما فعل أثناء عمله “الإخوة كارامازوف”.

وفي مذكرات الزوجة تقول آنّا جريجوريـﭬنا للكاتب والناقد إسماعيلوف في تبرير كتاباتها لهذه المذكرات، بعد لأي ونأي عن التورط في مثل هذا الشيء “إن هذه الخطابات ومذكراتي ضروريتان ليرى الناس في النهاية هذا الشخص على نحو حقيقي، إن المذكرات التي كُتبتْ عنه قد شوّهت مرارا صورته تماما”. وتتسم مذكراتها بالعمق والمحاجّاة والبساطة، فلديها هدف أصيل هو “أن تقدّم لقراء دوستويفسكي كاتبهم بكل جوانبه المضيئة وأخطائه على نحو ما كانت عليه تماما في حياته العائلية والشخصية” .

والموضوع الأساسي للمذكرات ليس الزوجة وإنما الزوج، فهي تأتي في المرتبة الثانية بعد “رب الأسرة والزوج الذي يهيم عشقا برفيقة عمره والأب الرؤوم، هي في الظل تقوم بدور الزوجة المتواضعة كاتبة السيرة، فهي تكتب عن أحزانه أكثر مما تكتب عن أحزانها”.

المذكّرات إلى جانب أنها صححت الرؤية حول الكاتب، بعد ما شابها من غموض وتناقض في مذكرات الآخرين عنه، كانت أيضا بمثابة البوابة للدخول إلى بيت دوستويفسكي، الزوج والأب والإنسان العادي، لا تلك الصورة النمطية التي صدرها الجميع له. فهي معايشة حقيقية للكاتب وهو في حالات الشروع في التأليف أو نسج الأفكار والتصورات حول مصائر شخصياته، أو في لحظات اعترافه، فالمذكرات “تتكشف بصورة تلقائية ودون أي ضغط السمات الرفيعة للصورة الأخلاقية لدوستويفسكي: بساطة الأمير ميشكين وكماله، عبقرية مميزة مع ابتعاد عن الوجاهة.

13