العالم يحلم بيوم استقلال الإنترنت من "الاحتلال" الأميركي

هل يمكن احتكار الإنترنت من قبل دولة بعينها على مستوى العالم؟ سؤال تصعب الإجابة عنه بالنظر إلى كمّ المعلومات الهائل واللامحدود الذي يمر كل يوم من البنوك والمؤسسات التعليمية والشركات الاقتصادية والدول والهيئات والمخابرات والأفراد وغيرهم، فالأمر أشبه بالعين التي ترى كل العالم وفي لحظة واحدة، ولكنها حقيقة.
الثلاثاء 2016/02/02
التجسس يقلق الجميع

واشنطن - تقوم الولايات المتحدة الأميركية منذ سنة 1998، أي منذ بعث مؤسسة الإنترنت للأسماء والأرقام المخصصة “آيكان” في ولاية كاليفورنيا الأميركية، بالسيطرة على الإنترنت في العالم من خلال وضع مؤسسة آيكان تحت الضوابط القانونية للولايات المتحدة الأميركية، بطريقة تكون معها نشاطات المؤسسة خاضعة للشروط التي تمليها أميركا.

ولم تتحول هذه المؤسسة إلى هيئة مستقلة سوى مؤخرا بعد مساع دولية حثيثة لأن تكون هذه الهيئة مستقلة وفيها خبراء ومجموعة من المديرين من مختلف أنحاء العالم.

وممّا لا شك فيه أن شبكة الإنترنت تعتبر من بين الحسنات التي تقدمها وزارة الدفاع الأميركية البنتاغون للبشر، وقد اعتمد البنتاغون على هذه الشبكة طوال الحرب الباردة كوسيلة للاتصالات السرية التي لم يستطع السوفييت كشفها.

وبعد أن وضعت الحرب أوزارها، كُشف اللثام عنها وأصبحت هذه الشبكة مفتوحة للجميع، وعلى مدار ثلاثين عاما كان هناك شخص واحد يدير تلك الشبكة، وهو أستاذ متخصص في علم الكمبيوتر في جامعة جنوب كاليفورنيا واسمه جون بوستل.

وتقول مجلة “نيويورك تايمز” إن جون بوستل كان يتخذ كل القرارات الفنية كإعطاء الدول رموز مواقعها ولكنه خاضع للرقابة والإملاء من المركز المتحكم داخل وزارة الدفاع.

وبعد انتهاء الحرب الباردة، سعت الولايات المتحدة إلى جعل الإنترنت أداة للربح الاقتصادي والتغيير السياسي في ذات الحين، نظرا لما يمكن أن تقوم به هذه التقنية التواصلية من تحرير للأفكار والتعبير عنها ومحو الحدود بين الدول في العالم، بطريقة تجعل من “الدولة الوطنية” مجرد تاريخ متعلق بفترات الحرب الباردة وما قبلها.

وهناك عدد هائل من الشركات الداخلة في أعمال الإنترنت، ومع رغبة تلك الشركات في التحكم بالوسائل العديدة التي تتعامل مع الإنترنت على اختلاف مستوياتها مثل برامج التصفح وأنظمة التشغيل والمكونات وأنظمة الاتصال وخدمات تزويد الإنترنت وأجهزة الخدمة واستضافة المواقع وإنتاج برامج تصميم المواقع ومواقع مداخل الإنترنت والبحث وغيرها، إلا أن أحدا منها لم يفلح في الحصول على أي درجة كبيرة أو ملموسة من التحكم بالإنترنت في مجملها.

الخطورة في مركزة الإنترنت لدى دولة بعينها، تكمن في أن ذلك سوف يكون خاضعا للسياسات الأمنية لتلك الدولة كما هو الحال في أميركا

ومن بين هذه الشركات نجد مايكروسوفت، التي تعد أقوى الشركات في مجال إنتاج برامج معدات الخدمة وبرامج تصميم الصفحات، ولكن ما يحدث الآن لمايكروسوفت من قضايا قد تدمر الشركة أو تضعفها تماما، ما هو إلا دليل على عدم قدرتها على التحكم بكل شيء في الإنترنت، خصوصا أنها ضعيفة في مجالات عديدة مثل مجال الاتصالات وبناء المعدات، كما أنها غير قوية في مجال تزويد خدمة الإنترنت.

وأيضا شركة أميركا أونلاين القوية في مجال المواقع فقط، ولكن ليست لها علاقة بالمعدات الصلبة أو البرامج المستخدمة. وهناك شركة يويونيت المتميزة في مجال الاتصالات وتزويد الخدمة، وليس أكثر.

وشركة سيسكو سيستيمز التي تقوم بتصنيع أجهزة الرويتر المستخدمة كمعدات لمزودي خدمة الإنترنت، ولكن ليس لها عمل آخر. وعموما لا توجد شركة بعينها يمكن أن نقول إنها تتحكم بدرجة مكشوفة في الإنترنت.

وهذا العجز الذي تقف أمامه كل هذه الشركات، بالرغم من قوتها، يعيد التساؤل الدائم حول النقطة التي يمكن أن تسيطر على كل شيء في مجال الإنترنت، وبالتالي في أعصاب العالم وأن مجرد التفكير في الزر الذي يمكن أن يضغط عليه لإنهاء الإنترنت وتشغيلها، يجعل الحكومات في مختلف أنحاء العالم ترتعب كلّ لأسباب تهمه.

وتدافع الولايات المتحدة الأميركية على مركزة الإنترنت فوق أراضيها وجعل مقر التدفق يكون الأول لديها، بالنظر إلى كونها أول من بادر إلى اختراع هذه التقنية التواصلية.

ويدافع على هذه النظرية الأميركيون المحافظون، وذلك بالقول إن ظهور الإنترنت من أميركا سوف يجعلها عرضة لخطر الدكتاتوريات التي تمنع التدفق الحر للمعلومات.

لكن في المقابل، فإن فضائح التجسّس التي سجلت على مستوى أجهزة الاستخبارات الأميركية بمراقبة المواطنين في أميركا والعالم واختراق أنظمة حماية عدد من المؤسسات، تعد من بين العوامل التي تجعل من بعض الحكومات، كالهندية والبريطانية والصينية والفرنسية والروسية، تدافع عن نظرية نقل الإنترنت من هيمنة أميركا ووضعها بين يدي منظمة أممية أو هيئة مستقلة.

آيكان: منظمة غير ربحية تأسست عام 1998 ومقرها كاليفورنيا، متخصصة في توزيع وإدارة عناوين "الآي بي" وأسماء المجال وتخصيص أسماء المواقع العليا ولها وظيفة إدارة موارد الشبكة

أميركا تحمي الإنترنت من الأنظمة الدكتاتورية

شبكة الإنترنت هي الفضاء الأبرز للاتصال والأهم على مستوى العالم، تديرها مؤسسة غير ربحية مقرها لوس أنجلوس وهي “مؤسسة الإنترنت للأسماء والأرقام المخصصة” (آيكان)، والتي تعتبر الجهة الضابطة للإنترنت والمتخصصة في توزيع أسماء المجال ونطاقات الإنترنت مثل “دوت كوم” و”دوت نت”، لكنها تخضع للقانون الأميركي، مما يعني تحكما أميركيا غير مباشر في تسمية النطاقات ووضع بروتوكولات الإنترنت وتسيير إدارتها.

ولئن كان موقع الشركة التي تدير الإنترنت في العالم موجودا في أميركا، وهو ما تدافع عنه واشنطن بقوة، إلا أن المسألة تثير لدى العديد من الدول ورؤوس الأموال تحمّسا لإعادة النظر في القوانين المتحكمة في هذه القوة الاتصالية، وكذلك وضع آليات دولية في التسميات والخصائص المتعلقة بعناوين المواقع ونطاقاتها.

ويعتبر التحكم الأميركي في الإنترنت تقنيا أكثر منه سياسيا رغم أن الإشكال في باطنه يعتبر سياسيا بامتياز، حيث أنها تتحكم في عدد من الأمور التي تعتبر جوهر الإنترنت مثل “الخوادم الجذرية” التي يمر عن طريقها كل مستخدم من مستخدمي الإنترنت ليصل إلى أي موقع من المواقع في أي مكان بالعالم، إضافة إلى مسألة تسجيل أسماء النطاقات.

ولعل هذه الامتيازات تدفع أجهزة الاستخبارات في العالم إلى التخوف من التجسّس على دولها واختراق أنظمتها المعلوماتية والدفاعية وقواعد بياناتها.

وقد برزت مسألة تحويل إدارة الإنترنت إلى أطراف دولية أثناء قمتي تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في جنيف عام 2003 وفي تونس عام 2005، وسط رفض أميركي شديد بالتخلي عن السيطرة على إدارة شؤون الإنترنت رغم تهديد بعض الدول بخلق مؤسساتها الخاصة لتسيير الشبكة والتحكم فيها، الأمر الذي هدد بتشظي الشبكة العالمية وتراجع فاعليتها.

وقد عبّرت العديد من القيادات الأميركية عن رفضها مرارا وتكرارا لأن يعطى امتياز مركزة الإنترنت إلى أي جهة خارج الولايات المتحدة الأميركية، ومن أهم تلك القيادات نجد أسماء بارزة عن الحزب الجمهوري.

إذ يضيق بعض السياسيين الجمهوريين من فكرة خروج “آيكان”، أي مؤسسة الإنترنت للأسماء والأرقام المخصصة، من نطاق سيطرة الولايات المتحدة خشية أن يكون ذلك بمثابة خيانة للمصالح الأميركية.

وقد غرّد نيوت جينجريتش، الرئيس الجمهوري السابق لمجلس النواب، عبر تويتر قائلا “ما هو مجتمع الإنترنت العالمي الذي يريد أوباما أن يسلِّم الإنترنت إليه؟ هذا يخاطر بأن تكون الدكتاتوريات الخارجية هي التي تعرِّف شبكة الإنترنت”.

وفي سياق دفاعها عن إبقاء الإنترنت في أراضيها وتحت قوانينها، تقوم الولايات المتحدة من حين إلى آخر بزيادة معدلات التدفق التي توزع في العالم استجابة لطلبات المستخدمين في تحميل الفيديوهات والوثائق والخدمات التجارية الأخرى. فقد أعلنت لجنة الاتصالات الفيدرالية الأميركية في تقرير جديد لها أن الولايات المتحدة قامت بمضاعفة سرعات الاتصال بالإنترنت 3 أضعاف خلال السنوات الثلاث الماضية، لمواكبة متطلبات المستهلك في مشاهدة لقطات الفيديو وتنزيل المحتوى.

ولكن الوجه الآخر الذي يؤكد سيطرة أميركا على الإنترنت وسعيها إلى الحفاظ على هذه السيطرة، هو ما قام به موظف البرمجيات السابق في وكالة الاستخبارات الأميركية “سي إي آي” إدوارد سنودن. فقد دخل هذا الاسم التاريخ بعد تسريبه معلومات تكشف تجسس الولايات المتحدة الأميركية على معطيات شخصية للاتصالات التليفونية ومستخدمي شبكة الإنترنت، في أكبر فضيحة تجسس في تاريخ واشنطن.

وقد تجاوز الأمر التجسس على المعلومات الشخصية للمواطنين الأميركيين (الأمر الذي يمنعه الدستور الأميركي) للوصول إلى تغطية كل المعلومات الخاصة لدى المواطنين في العالم بأسره. ولئن بدت هذه الوقائع تجاوزا للقوانين إلا أنها دليل على امتلاك الأجهزة الأميركية لمفاتيح الإنترنت في العالم.

من مقررات قمة المعلومات في تونس 2005: بعث لجنة أممية للنظر في كيفية إدارة الإنترنت بعيدا عن مركزها الأصلي بين أيدي دولة بعينها، وقد عين الدبلوماسي السويسري أماركوس كومر لمتابعة الأمر

ضرورات الأمن تقتضي إخراج آيكان من أميركا

بعد أن وافقت وزارة التجارة الأميركية على تحويل آيكان إلى هيئة مستقلة تكون خاضعة للمساءلة أمام منظوريها من القطاع العام والخاص، وذلك بدفع من الرئيس الأميركي باراك أوباما، لاحظت بعض القوى الدولية الساعية إلى التغيير في آليات التحكم بالإنترنت، أن الفرصة مناسبة في هذه الأثناء لإعادة طرح مسألة إخراج القوة المسيطرة على تزويد العالم بالإنترنت من قبضة دولة بعينها.

وتقول الأخبار القادمة من لوس أنجلس، إنه خلال الأسابيع القليلة المقبلة من المتوقع أن تعلن شركة الإنترنت لإسناد الأرقام والأسماء عن تغيير في القيادة، حيث أنه من المقرر أن يستقيل فادي شحادة، الرئيس التنفيذي للمنظمة، وهو أميركي من أصل لبناني، حيث يأمل المتابعون بأن يتولى شخص غير أميركي منصبه، في خطوة اعتبرتها كل من فرنسا والصين وبريطانيا مؤشرات جيدة على بداية مسار جديد للتفاهمات تضع الإنترنت خارج هيمنة دولة بعينها، بعد أن سرب إدوارد سنودن وثائق تؤكد تجسس الاستخبارات الأميركية على مواطنيها والعديد من الأشخاص من دول عديدة في العالم.

وتدور القضية حول السؤال المتعلق بالجهة التي ينبغي أن تشرف وتراقب وتعين أسماء النطاقات وامتداداتها، مثل النطاق التعليمي (إيدو) أو النطاق التجاري (كوم)، وعناوين البروتوكولات.

وقد عالجت آيكان هذا الأمر منذ تأسيسها من قبل الحكومة الأميركية عام 1998 بطرق لم تقنع بعض الحكومات الأخرى.

كما أن آيكان تعمل كمجموعة غير ربحية بترخيص من وزارة التجارة الأميركية، وتقوم بعملها عن طريق تنظيم مجتمع كبير من المتطوعين، لأداء مهام مثل التأكد من أن عناوين بروتوكولات الإنترنت لا تتصادم في ما بينها، لكن ذلك لم يقنع العديد من الدول.

التحكم الأميركي في الإنترنت تقني أكثر منه سياسيا كالخوادم الجذرية التي تمر من خلالها طلبات المرور إلى كل أنحاء العالم

وعندما كانت شبكة الإنترنت صناعة محلية، كان لهذا الهيكل السهل معنى، لكنها لم تعد كذلك الآن. وهناك بلدان مثل الصين والهند تولد الآن كميات كبيرة من حركة المرور عبر الإنترنت وعناوين الآي بي (بروتوكول الإنترنت).

وفي الوقت نفسه، أصبحت أسماء النطاقات ذات قيمة تجارية كبيرة بحيث أن الشركات والحكومات وحتى المشاهير كانوا يسعون للمطالبة بعلاماتهم، حيث كانوا في الغالب يستشهدون بقوانين العلامات التجارية وغيرها من السوابق القانونية.

وقد أدى هذا الجدل إلى تأجيج الصراع حول مركزة التدفق ومراكز التحكم في الإنترنت بطريقة جعلت هذا الملف مطروحا على طاولة الأمم المتحدة.

وقد دفع هذا الأمر إلى القول إن الولايات المتحدة تبدو في واقع الحال أشبه بـ”جنرال الإنترنت” في العالم، مع أن لورنس ستريكلنغ، المسؤول عن قسم الإنترنت في وزارة التجارة الأميركية، يرى أن عملية السيطرة على الإنترنت وضبطها “تمثل مهمة إدارية في قسمها الأكبر، وتقوم على التحقق من مدى أهلية مصادر الإنترنت للثقة”.

وأكد العديد من الخبراء في مجال تقنيات الواب والإنترنت وتعقب إشارات الآي بي، أن الخطورة في مركزة الإنترنت لدى دولة بعينها تكمن في أن ذلك سوف يكون خاضعا للسياسات الأمنية لتلك الدولة.

وقال ريتشارد ثيمي، الخبير في تقنيات الأمن في الإنترنت “نحن لسنا في عصر ووترجيت الذي أدى اقتحام مقار الحزب الديمقراطي فيها بحثا عن معلومات إلى رحيل ريتشارد نيكسون رئيس الجمهورية من الحزب الجمهوري.. التكنولوجيا أتاحت المجال أمام أجهزة الأمن لاقتحام حياة الملايين من أفراد الشعب بل مليارات الأفراد من مواطني العالم، ومعرفة أسرارهم دون أي سند قانوني و بلا محاسبة”.

يذكر أن الهاجس الأمني لدى طرفي النزاع، أي الولايات المتحدة والحكومات الأوروبية والآسيوية المطالبة بإخراج مركز التحكم من أميركا، يعد هاجسا رئيسيا ومحركا للصراع بينهما، باعتبار أن حجم المعلومات الذي يمكن أن تتحصل عليه أميركا عندما تسيطر على آيكان، سوف يكون ضخما على مستوى سكان العالم المستعملين للإنترنت.

12