العالم يحن إلى القبلية: انفجار أشكال مختلفة من الشعبوية غير المتسامحة

الولايات المتحدة بصدد تجربة نسختها الخاصة من ظاهرة الأقلية المهيمنة، والبريكست مظهر من مظاهر القبلية السياسية في أوروبا.
الأربعاء 2018/06/27
القبلية السياسية تقسم الولايات المتحدة

واشنطن - قد تبدو فيتنام وأفغانستان والعراق عوالم بعيدة عن الولايات المتحدة، لكن، منذ انتخاب الرئيس دونالد ترامب، تبيّن أن الأميركيين ليسوا محصّنين عن “السياسات القبلية” التي عصفت بهذه البلدان الثلاثة.

ويميل الأميركيون إلى التفكير في الديمقراطية كقوة موحدة، لكن مثلما يتعلم الأميركيون اليوم، يمكن للديمقراطية في ظل ظروف معينة أن تحفز الصراع بين المجموعات وتؤدي إلى ظهور نوع من القبلية السياسية والمجتمعية، وهي ظاهرة لم تقتصر فقط على القسم الأميركي من العالم بل تمتد إلى أوروبا وغيرها في علاقة بظهور ميل نحو الانعزال ورغبة في وضع حدود للعولمة المطلقة.

وترصد إيمي تشوا هذا الصعود في كتابها “القبائل السياسية: غريزة الجماعة ومصير الأمم”، والذي نشرت مجلة فورين إفيرز جزءا منه، مشيرة إلى أن هذه التطورات ناتجة في جزء منها عن تحول ديموغرافي هائل، فلأول مرة في تاريخ الولايات المتحدة نجد البيض على حافة خسارة مكانتهم باعتبارهم أغلبية في البلاد. وبدرجات متفاوتة ظلت الأقليات في الولايات المتحدة تشعر بالضعف وبأنها مهددة، واليوم يشعر البيض بالشيء نفسه.

وفي السنوات الأخيرة شرعت الولايات المتحدة في استعراض ديناميات سياسية مدمرة تعرف أكثر على أنها من خصائص البلدان النامية وغير الغربية وتتمثل في بروز حركات إثنية قومية، وتآكل الثقة في المؤسسات ونتائج الانتخابات، والغوغائية الداعية للكراهية، وردة فعل شعبية ضد “المؤسسة” والأقليات الخارجية، وفوق كل شيء تحويل الديمقراطية إلى محرك قبلية سياسية صفرية الحاصل.

وبيّنت دراسة أن أكثر من نصف الأميركيين البيض يعتقدون أن “البيض أخذوا مكان السود باعتبارهم ‘الضحايا الأوائل للتمييز”. وعندما تشعر الجماعات بالتهديد تنسحب إلى القبلية حيث يقترب أفرادها من بعضهم أكثر فأكثر ويصبحون أكثر عزلة ويتخذون مواقف أكثر دفاعية ويزداد تركيزهم على “نحن” مقابل “هم”.

وفي حالة الأغلبية البيضاء المنكمشة اجتمعت ردّات الفعل هذه لتكوّن ردة فعل عنيفة، مما أدى إلى زيادة التوترات في مناخ اجتماعي يتميز أصلا بالاستقطاب وتشعر فيه كل مجموعة (من بيض وسود ولاتينيين وآسيويين، مسيحيين ويهود ومسلمين، أسوياء ومثليين، ليبراليين ومحافظين، رجال ونساء) بأنها تتعرض للهجوم والتنمر والاضطهاد والتمييز.

لكن، يوجد سبب آخر لظهور هذه الأمراض القبلية الجديدة اليوم. فتاريخيا لم تكن في الولايات المتحدة أقلية مسيطرة على السوق، بل بالعكس كانت البلاد على مدى معظم تاريخها تسيطر عليها، اقتصاديا وسياسيا وثقافيا، أغلبية بيضاء موحدة نسبيا، وهذا يعني وجود وضع مستقر، وإن كان غير عادل.

وفي السنوات الأخيرة طرأ تغيير ما. فبسبب وجود مستويات قياسية للتفاوت الاقتصادي والتراجع الصارخ في الصعود الاجتماعي، أصبح الأميركيون البيض أكثر انقساما بشكل حاد على خطوط طبقية مقارنة بالحال التي كانوا عليها على مدى أجيال.

ونتيجة لذلك قد تكون الولايات المتحدة بصدد تجربة نسختها الخاصة من ظاهرة الأقلية المهيمنة على السوق، وهي المجموعة التي حظيت بنقاش مستفيض وكثيرا ما يشار إليها بعبارة “النخبة الساحلية”.

ومن المؤكد أن عبارة “النخب الساحلية” هي عبارة مضللة، ويمكن القول إنها كاريكاتور بطريقة ما، إذ أن أفراد المجموعة ليسوا كلهم ساحليين ولا كلهم نخبا، على الأقل بمعنى الثراء.

Thumbnail

وفي الولايات المتحدة، يسيطر على الثروة عدد قليل نسبيا من الناس ويعيش أغلبهم على السواحل. وهذه الأقلية تهيمن على القطاعات الاقتصادية الأساسية بما في ذلك وول ستريت والإعلام ووادي السيليكون. وعلى الرغم من أن النخب الساحلية لا تنتمي إلى إثنية واحدة تجدهم متميزين ثقافيا وكثيرا ما يتقاسمون قيما عالمية مثل العلمانية والتعددية الثقافية والتسامح مع الأقليات الجنسية، وسياسة تقدمية مؤيدة للمهاجرين. ومثلها مثل الأقليات الأخرى المهيمنة على السوق، تتميز النخب الساحلية الأميركية بانعزالية شديدة حيث تتعامل وتتزاوج أساسا من داخل المجموعة وتعيش في الجماعات السكانية نفسها وتذهب إلى المدارس نفسها. زيادة على ذلك، كثيرا ما ينظر إليها الأميركيون المتوسطون على أنها لا تكترث بمصالح البلاد أو أنها معادية لها أصلا.

ما حدث في الانتخابات الرئاسية الأميركية لسنة 2016 هو تماما ما يمكن التنبؤ بحدوثه في دولة نامية تنظم انتخابات بوجود أقلية مهيمنة على السوق مكروهة كرها شديدا، ألا وهو ظهور حركة شعبوية تدعو فيها أصوات غوغائية الأميركيين “الحقيقيين” بحسب تعبير دونالد ترامب إلى “استعادة بلدنا”.

وعلى خلاف أغلب ردود الفعل العنيفة ضد الأقليات المهيمنة على السوق في العالم النامي، فإن شعبوية ترامب ليست معادية للأثرياء، بل على العكس من ذلك ترامب نفسه أعلن نفسه مليارديرا، مما دفع الكثيرين إلى التساؤل كيف أمكن له “استغفال” قاعدته المناهضة للمؤسسة حتى تساند فردا من الأثرياء الفاحشين ستجعل سياساته الأثرياء جدا أكثر ثراء.

الجواب يكمن في النزعة القبلية. فبالنسبة إلى البعض، دعوة ترامب عنصرية، فهو بصفته مرشحا وبصفته رئيسا أدلى بتصريحات كثيرة تستميل التحيّزات العنصرية لدى بعض الناخبين البيض سواء كان ذلك بشكل صريح أو بشكل مشفر. لكن الصورة لم تكتمل بعد. فمن ناحية الذوق والحساسيات والقيم، ترامب يشبه في الواقع بعض أفراد الطبقة العاملة من البيض.

وباتت القبلية السياسية تقسم الولايات المتحدة محولة البلاد إلى مكان حيث يرى الناس من قبيلة معينة الآخرين ليس على أساس أنهم المعارضة فحسب بل على أنهم غير أخلاقيين وأشرار ومعادين لأميركا. وإذا كانت هناك طريقة للخروج فيجب أن تتم معالجة الاقتصاد والثقافة معا.

تزدهر القبلية السياسية في ظل ظروف تتميز بعدم الأمان الاقتصادي وغياب الفرص، فعلى مدى المئات من السنوات ساعدت الفرص الاقتصادية والصعود الاجتماعي الولايات المتحدة على دمج شعوب متباينة جدا بشكل أنجح من أي بلد آخر. ومن ثم يجب اعتبار انهيار الصعود الاجتماعي في الولايات المتحدة على أنه حالة طوارئ وطنية.

بيد أن تفاقم النزعة القبلية ليست مشكلة أميركيا فقط، إذ تنفجر أشكال مختلفة من الشعبوية القبلية غير المتسامحة في مختلف أنحاء أوروبا مما يقلص المساندة للكيانات فوق الوطنية مثل الاتحاد الأوروبي ويهدد النظام الدولي الليبرالي. التصويت لفائدة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (البريكست) على سبيل المثال كان ردة فعل شعبوية عنيفة ضد نخب في لندن وبروكسل ينظر إليها الكثيرون على أنها تتحكم في المملكة المتحدة من بعيد ولا صلة لها بالبريطانيين “الحقيقيين”، أي “الملاك الحقيقيين” للأرض الذين يرى الكثير منهم المهاجرين خطرا.

7