العالم يعيش عدم تسامح إثني وديني

الإسلاموفوبيا ومعاداة السامية أصبحتا من الأمور السائدة.
الأربعاء 2021/11/17
عنف عرقي في كل مكان

واشنطن – تنامى التعصب الديني والعرقي بشكل متسارع خلال العقدين الأخيرين، حتى أنّه أصبح يهدد أمن جميع دول العالم دون استثناء وليس هناك مكان في منأى عن ذلك.

ويحذّر محللون سياسيون من أن الأمم أصبحت تتأرجح على حافة الهاوية في عالم أصبح فيه انتشار التعصب الديني والعرقي هو القاعدة.

ويقول جيمس دورسي الباحث في شؤون الشرق الأوسط والأدنى إن المجتمعات الغربية وغير الغربية على حدّ سواء ساعدت على تمهيد الطريق نحو الهاوية؛ الغرب بتخليه عن مبدأ ما بعد الحرب العالمية الثانية “لن تتكرر أبدا”، والعالم غير الغربي من خلال عدم اعتناق النهج والفشل في تبني مبدأ “سامح لكن لا تنسى”.

جيمس دورسي: على الحكومات الدينية الخضوع للمساءلة لتحقيق ما تصرح به
جيمس دورسي: على الحكومات الدينية الخضوع للمساءلة لتحقيق ما تصرح به

وتنظر الولايات المتحدة وأوروبا إلى الأزمات الفردية بدلا من نمط التطورات الذي ينطوي على تهديد، مما يقوض التعرف على المشاكل البنيوية التي تتحدى قيم الديمقراطية والتسامح والتعددية الغربية.

واستشهد الباحث البلقاني دامير ماروسيك بسلسلة من الأزمات والتوترات في وسط أوروبا وشرقها، محذرا من أن “ما أخذناه جميعا كأمر مسلّم به منذ نهاية الحرب الباردة يتصدّع بشدة، وقد أصبح هشا إلى درجة أنه قد ينهار قريبا (…) نلاحظ المشاكل الفردية، لكننا لا نرى كيف تتراكم، ولا كيف وصلنا إلى هنا (…) ما نزال بطريقة غريبة نعمل كما لو أن الأمور على ما يرام إلى حد ما. نعم، يجب إجراء تعديلات، لكن عالمنا دائم وسليم”.

ويجادل ماروسيك بأن الفساد في النظام تضاعف بسبب الحروب الأميركية المضطربة في العراق وأفغانستان في أعقاب هجمات الحادي عشر من سبتمبر التي شنتها القاعدة على نيويورك وواشنطن. وقال “كما أثبت الانهيار النهائي لمشروع أفغانستان في وقت سابق من هذا العام، فإن الفرضية المتفائلة الكاملة لبناء الدولة والنظام التي يقوم عليها مشروع الاتحاد الأوروبي في نهاية المطاف قد قُوّضت بسبب إخفاقات واشنطن”.

ويرى دورسي أن المعارك الجيوسياسية تستمر على حساب الأبرياء اليائسين. حيث تغذي التوترات وتهدد الاستقرار في وسط أوروبا وشرقها وتفجر كارثة إنسانية في اليمن وأفغانستان. وتسبّب الانقسام العرقي والديني في وجود عشرات الآلاف من المهاجرين من الشرق الأوسط الذين تنقلهم بيلاروسيا بدعم روسي إلى الحدود البولندية. وتوجه عشرة جنود بريطانيين إلى الحدود لمساعدة بولندا في إقامة سياج.

ودفع استغلال العداء الديني والعرقي عميق الجذور زعيم صرب البوسنة ميلوراد دوديك إلى التهديد بسحب القوات الصربية من جيش البوسنة والهرسك وإنشاء قوة منفصلة.

واجتمعت البوسنة والهرسك كاتحاد فيدرالي في نهاية حرب البوسنة في التسعينات مع كيانات إسلامية وصربية وكرواتية تتمتع بالحكم الذاتي. واحتفظ الاتحاد بالسيطرة على الجيش والمراتب العليا في القضاء وجباية الضرائب. وقال دوديك إن برلمان صرب البوسنة سوف ينشئ أيضا قضاء منفصلا للصرب وإدارة ضريبية في ما يرقى إلى حد الانفصال الفعلي.

وتتعدد العلامات الواضحة على وشك حدوث أشياء مرفوضة في جميع أنحاء العالم من الولايات المتحدة وأوروبا إلى أفغانستان والصين، حيث أصبحت الإسلاموفوبيا ومعاداة السامية من الأمور السائدة. وامتدت التوترات بين الهندوس والمسلمين عبر حدود جنوب آسيا. ويضطهد المسلمون السنة الشيعة في أفغانستان، ويخاطرون بصدامات بين طالبان وإيران. وتعاني الأقليات المسيحية في بلدان شكّلت مهد الديانات الإبراهيمية.

وانضم رجال مثل رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق بنيامين نتنياهو واليهود الجمهوريون في الولايات المتحدة إلى الهجمات المقنّعة المعادية للسامية على رائد العمل الإنساني الليبرالي والناجي من الهولوكوست جورج سوروس بدلا من النّأي بخلافاتهم السياسية والأيديولوجية مع الملياردير عن التهجّم المشوب بالتعصّب الديني والعنصرية.

وبالمثل، يشكك المرشح الرئاسي الفرنسي إريك زمور في براءة ألفريد دريفوس ضابط الجيش اليهودي الذي أثارت إدانته الظالمة بالخيانة العظمى جدلا مريرا في فترة ما قبل الحرب العالمية الأولى. كما يرفض زمور فكرة أن الزعيم الفرنسي المتعاون في زمن الحرب فيليب بيتان ساعد في ترحيل اليهود إلى معسكرات الموت النازية، مؤكدا بدلا من ذلك أن بيتان قد أنقذ اليهود.

وشنت الصين هجوما مباشرا على الهوية العرقية والدينية التركية في مقاطعة شينجيانغ الشمالية الغربية التي مرت دون معارضة تُذكر من العالم الإسلامي.

ولا تكمن وسائل التواصل الاجتماعي التي تعمل كمكبرات صوت ومجمعات ومنشئة لغرف الصدى والصوامع في جوهر المشكلة، بل يسببها القادة السياسيون والدينيون والعرقيون والثقافيون الذين يلعبون على إثارة الغرائز البدائية سعيا وراء الشعبية والسلطة.

ويرى المحلل السياسي أن ما يجري في لبنان والعراق وربما أفغانستان هو نتيحة لإضفاء الطابع المؤسسي على التحيز الديني والعرقي وعدم التسامح على حساب مفاهيم الاحترام المتبادل والالتزام بكرامة الإنسان والتعايش.

جون غرينسبان: الولايات المتحدة مدفوعة نحو حرب أهلية لا مفر منها
جون غرينسبان: الولايات المتحدة مدفوعة نحو حرب أهلية لا مفر منها

وينهب أمراء الحرب الطائفيون الدولتين اللبنانية والعراقية ويضعفون مؤسساتهما. وتشير أعمال العنف الأخيرة في بيروت إلى أن هؤلاء، بمن فيهم أمراء الحرب المسيحيون السابقون وحلفاء إيران الشيعة، مستعدون للمخاطرة بجولة ثانية من الحرب الأهلية لتأمين مصالحهم الخاصة، مما يؤدي إلى وقوع بلد متوسّط ​​الدخل في براثن الفقر على نطاق واسع.

وحسب دورسي، يتمثل الحل لهذه المسألة في أنظمة التعليم التي تؤكد على أهمية القيم الإنسانية والأخلاقية والتسامح الديني والعرقي باعتبارها حماية للحكم والسياسة وضمانا لإبقاء التحيز العرقي والديني والعنصرية أمورا محظورة اجتماعيا، لكنه حل على المدى الطويل. أما على المدى القصير فيجب أن تشمل معالجة المشكلة الحوار والمفاوضات.

وأظهرت دراسة حديثة أن قرار جون إف. كينيدي بالسعي لمعاهدة للحد من التسلح بدلا من تصعيد سباق التسلح المنهك والمحفوف بالمخاطر بعد أن فجر الاتحاد السوفييتي أقوى سلاح نووي في العالم في عام 1962 قد نجح، بينما قد لا ينجح تصعيد الصراع.

ويقول دورسي إن الدروس المستفادة من نهج كينيدي عند تطبيقها على التعصب الديني والعرقي تبرز أن على الحكومات والمجموعات الدينية والعرقية التي تزعم الحوار بين الأديان وأشكال الحوار الأخرى أو تؤكد أنها تروج للقيم الديمقراطية والإنسانية أن تخضع للمساءلة لتحقيق ما تصرح به بدل السماح لها بأن تكتفي بوعود وتصريحات جوفاء.

وتُتيح رئاسة إندونيسيا هذا العام لمجموعة العشرين التي تضم أكبر اقتصادات العالم فرصة للتأكيد على القيم الإنسانية والديمقراطية وتعزيز إطار للحوار. وتضع الرئاسة “نهضة العلماء”، أكبر منظمة مجتمع مدني إسلامية في العالم تركز على هذه القيم، في المقدمة نظرا إلى أنها تستعد للعب دور في نهج مجموعة العشرين بين الأديان.

وجادل جون غرينسبان أمين التاريخ السياسي في المتحف الوطني للتاريخ الأميركي التابع لمؤسسة سميثسونيان في مقال رأي نُشر في صحيفة نيويورك تايمز بعنوان “آخر مرة انكسرت فيها أميركا”، بأن الولايات المتحدة على الرغم من الاستقطاب عميق الجذور الذي أدى إلى ظهور ديني ولم يكن التعصب العرقي في المقدمة قد تجاوز نقطة اللاعودة. وأشار إلى أن المجتمع المدني أعاد واشنطن من حافة الهاوية أكثر من مرة.

وكتب غرينسبان “نحن لسنا فقط مدفوعين دون إرادة منا نحو حرب أهلية لا مفر منها، بل إن بإمكاننا أن نكون فاعلين في هذه القصة. إن الخطوة الأولى هي الاعتراف بالمخاطر الكامنة في الديمقراطية، وعلينا كي نتقدّم أن ننظر إلى الوراء ونرى أننا لا نواجه انهيارا بل انتكاسة”.

وهذه رسالة تصحّ للولايات المتحدة كما تصحّ لبقية العالم.

7