العالم ينهار تحت وطأة الأوبئة في "الشرنقة المتحولة"

ما الذي سيبقى في هذا العالم المهدد بالصراعات ونوايا العنف وترسانات الأسلحة؟ النبوءات شتى التي تحكي ذلك الانهيار العظيم الذي سيتحطم فيه كوكب الأرض وتغرق فيه البشرية في جائحة لا تُعرف امتداداتها. واقع يجري تناوله بخيال علمي خصب يناور في قراءة المستقبل، وكيف ستكون ملامح ذلك المستقبل؟ وما هي الوقائع التي ستجري في أفق ذلك المجهول الأرضي المضطرب؟ أسئلة برسم المعالجة الفيلمية التي تذهب بعيدا في القراءة “الديستوبية”، وتقدم شخصيات لن تنجو بسهولة من ذلك الخراب الذي ضرب الكوكب الأرضي، ولم تسلم منه إلاّ ثلة قليلة من البشر.
الاثنين 2015/10/12
"ديستوبيا" تتشكل في عالم لن تنجو منه إلا قلة قليلة

في عام 2038 ضربت الأرض جائحة خطيرة ممثلة في وباء وفيروس أتى على سكان الكوكب من نجا منهم، ومن أصابه الفيروس وهو مازال حيا، فإنه يتحول إلى آكل لحوم البشر، وقابل أن ينقل الفيروس إلى آخرين.

على هذا المسار تمتد أحداث فيلم “الشرنقة المتحولة” (إنتاج 2014) للمخرج جون كلين، والشاهدان الوحيدان على هذا الخراب هما صديقان حميمان، وهما كل من جوشوا (الممثل كلوي سيمون) وبينلوبي (الممثلة سارا غورسكي)، وهما أيضا من الناجين القلائل، وكما في الدراما المتعلقة بهذا الانهيار و”الديستوبيا”، لا بدّ أن يكون هنالك شهود وناجين، حيث العالم الذي كان حيا ونابضا بالحياة قد تحول إلى ركام وحطام.

مشاهد الترويع والموت الجماعي تعصف بالكوكب في كل مكان، وخليط من الضربات الجرثومية الإرهابية وصراعات الأمم تحتشد كخلفية لما جرى ويجري، سنتنقل في وسط حياة عدمية بائسة، ولكن مع وجود أمل في مزيد من الناجين وهلع من انتقال العدوى أو من الوقوع ضحية للبشر الناجين الذين أصابهم الوباء، فمحا ذاكرتهم وحولهم إلى آكلي لحوم البشر.

بين هاتين القوتين الصاخبتين تمتد اللحظات والدقائق والأيام ثقيلة وقاسية تجثم على الصديقين، ويبنى السرد الفيلمي على تلك الحبكة، حتى نشعر في بعض الأحيان بشيء من التراخي في تصعيد الدراما، ومع ذلك لا يلبث أن يظهر عنصر جديد يساهم في تصعيد تلك الدراما، انضمام فتاة هائمة على وجهها ستقودهم إلى مزيد من الطعام لغرض البقاء على قيد الحياة.

لعله عالم افتراضي في المطلق ذلك الذي يشهد تلك الانهيارات، لكن في المقابل ثمة سينما “الديستوبيا” تتشكل، هو اتجاه يعنى بالانهيار الكامل للكوكب الأرضي بسبب الكوارث والحروب والأوبئة، نمط سينمائي قليل التكلفة إنتاجيا، وهذا الفيلم خير دليل على ذلك.

التصوير في أماكن حقيقية ووسط أماكن خربة وأقبية ومبان متداعية بعيدا عن بناء الاستديوهات والتكاليف الباهظة، هذا فضلا عن الانغماس في الحوارات الأقرب إلى روح المسرح منه إلى حركية السينما.

في هذا الفيلم أيضا سنشهد الثيمة المتعلقة بآكلي لحوم البشر، وهو في الحقيقة ليس إلاّ إدماجا صار مألوفا ما بين فيلم الرعب وفيلم الخيال العلمي، أو المعالجة السينمائية التي تقتفي أثر هذين النوعين، وبذلك يمكن للفيلم أن يجتذب جمهورا مهتما بالنوعين في آن واحد.

واقعيا يمنح الفيلم نوعا من التحصين للشخصيتين، فهما بالرغم من عدم وجود تجهيزات يمكن أن يرتدياها للحيلولة دون الإصابة بالوباء، إلاّ أنهما لا يصابان وهو أمر ملفت للنظر.

مشاهد الترويع والموت الجماعي تعصف بالكوكب في كل مكان، وصراعات الأمم تحتشد كخلفية لما جرى ويجري في الفيلم

في المقابل تتحول الفتاة بنيلوبي إلى شخصية غريبة الأطوار، إذ نكتشف في ما بعد عجزها عن القراءة، ثم وكأنها قد أصيبت بالوباء من خلال الخور الذي يصيبها بشكل مفاجئ، لكن من المفارقات الملفتة أن تعيش هي ويموت صديقها في هجوم كاسح “للكانيباليين” الباحثين عن ضحايا.

صور مروعة لعالم ينتظر قدره والتنبؤات تتحدث عن حالة “قاب قوسين” من الصراعات الكارثية التي يمكن أن تنهي الكوكب برمته، بسبب تلك الفضائع التي هي من صنع البشر وصنع الدول الأكثر شرا في إبادة الجنس البشري من أجل بلوغ المصالح، ولهذا نجد جوشوا مثلا يعدد دولا ستصيبها الجائحة والوباء من أوروبا إلى أميركا اللاتينية إلى العالم العربي.

هو أيضا ومن جانب آخر، عرض للحرب الجرثومية الافتراضية التي يمكن أن تنشب على سطح هذا الكوكب، وهو ما يعرف بالحرب القذرة، فالوباء الذي لا تعرف من هي الجهة التي كانت وراء نشره، يبحث عن حاضنات في أماكن مظلمة ورطبة، ويجد في أنفاق الميترو مكانا مفضلا للتكاثر السريع والانتشار بكثافة، وهو ما يجعل أمر السيطرة على الوباء يندرج فيما يشبه المستحيلات.

يقود المخرج جون كلين فريقا صغيرا من الممثلين، ولكنه يضيف إلى رصيد أفلام الرعب والخيال العلمي المرتبطة بانهيار الحياة على هذه الأرض فيلما آخر يعالج نوعا آخر من أنواع الكوارث، وحيث السينما ليس إلاّ شاهدا على تلك النزعات العدوانية والصراعات المريرة المتصاعدة، التي صار الحديث عنها امتدادا للحديث عن شتى الأزمات والتحديثات البيئية ومصالح الدول التي تجعل العالم عرضة للانهيار، بفعل تلك الصراعات التي تهدف بالأساس إلى إبادة الجنس البشري.

16