العامل الديني عنصر أساسي في فهم التغيرات الإستراتيجية العالمية

الجمعة 2015/04/03

نتحدث كثيرا عن الدين من دون أن نحدد المقصود بالكلمة، ومن دون أن نعرف أنها ينبغي أن تُقسَّم إلى قسمين كبيرين: الأول، العقيدة والشعائر، وهي خاضعة لأحكام معيارية. والقسم الثاني يتصل بالتاريخ الديني والتاريخ المجتمعي والسياسي للدين، وهذا الجانب لا يُدرس بما يكفي، وليس هناك في جامعاتنا العربية اهتمام به.

من المهم أن نعرف أن إدخال العامل الديني كعنصر من عناصر فهم التغيرات الاستراتيجية في العالم أمر شديد الأهمية، ولو كانت لدينا رؤية تاريخية أوسع وعلى مدى أطول لوجدنا حلولا كثيرة لمشكلاتنا، وهناك تراث إنساني كوني في هذا الجانب يمكن الاستفادة منه لكي لا نكرر الأخطاء نفسها.

إن الدولة الوطنية، أو الدولة الأمة، أو غيرها من المصطلحات المناظرة هي كلها تسميات لشكل نراه في العصر الحديث، ولم يظهر شكل آخر يمكن أن ينافسه. والخروج عن ضوابط الدولة الوطنية يؤدي إلى الانهيار، لكن الدولة الوطنية ليست شكلا ثابتا، فهناك اختلافات بين زمن وآخر ومنطقة وأخرى وثقافة وأخرى.

في العالم العربي، كانت أهم التوجهات الأيديولوجية منذ عقود ترفض الدولة الوطنية، وترنو إلى شيء يتعالى عليها، ونرى ذلك في الأيديولوجيا الإسلامية أو اليسارية أو القومية أو أفكار الخلافة. ففكرة الخلافة في الحقيقة لم تأت بها “داعش”، بل هي موجودة في ثقافتنا ومقرراتنا الدراسية وأفكارنا المتداولة.

من جانب آخر هناك التدخلات الخارجية التي قوضت الدول العربية، مثلما حدث من جانب الولايات المتحدة في العراق. وأنا لست ضد التدخل كمبدأ، لكن ضد النتائج التي تمثلت في إسقاط الدولة. وهذا أيضا ما حدث في ليبيا، لأن أحدا لم يفكر فيما بعد إسقاط القذافي.

هناك أمل في عملية “عاصفة الحزم”، لأنها تعكس نوعا من إغلاق دائرة وصلت إلى نهايتها. هذه الدائرة بدأت مع الثورة الإيرانية وتقديم إيران لنفسها بوصفها دولة إسلامية، لكنها في الحقيقة دولة شيعية. واستعمال كلمة إسلامية من جانب دولة ما يعني أن المصالح المرتبطة بجهة معينة يراد لها أن تصبح مصالح الجميع. وفي الحقيقة، لا يمكن أن تكون هناك سياسة دينية بالمعنى المطلق، بل استخدام للدين لتحقيق مصلحة سياسية.

في “عاصفة الحزم”، نرى للمرة الأولى رد فعل يقول “لنا مصالحنا ولكم مصالحكم”. وأنا لست مع الحرب السنية – الشيعية، لكنني مع الحوار الذي يحترم مصالح كل طرف.

علينا ضبط الوضع الديني في مجتمعاتنا لأنه وضع منفلت، وهو ما يسمح للخارج بالتدخل والاستفادة من الانفلات.

كل الدول الوطنية في العالم واجهت قضية العلاقة بين الدولة الوطنية والدين، وهذا ليس خاصا بالمجتمعات العربية والإسلامية، فقد واجهته أوروبا وحدث صراع بين البابا والدولة الوطنية.

عندما بدأت جذور الدولة الوطنية في العالم العربي في مصر، كان رفاعة الطهطاوي أول من طرح فكرة المواطنة ووجد أصولا دينية لها. وقد حاول رجال دين مستنيرون في العالم العربي في فترة مبكرة تقديم اجتهادات ورؤى توفق بين الدين ومقتضيات الدولة الحديثة. ومع الأسف لم تتواصل هذه الجهود، وانقسمت الرؤى بين القومية والخلافة والتيارات اليسارية، وهي كلها توجهات ترفض الدولة الوطنية.

في العالم العربي لم نبنِ الدولة الوطنية القائمة بذاتها، لذلك عندما يسقط النظام الحاكم تسقط الدولة. وفي ألمانيا -على سبيل المثال- سقطت النازية بعد الحرب العالمية الثانية، لكن الدولة لم تسقط.

أمامنا ثلاثة اختيارات لضبط الوضع الديني:

- الحياد الديني للدولة، وهو أمر يصعب تحقيقه عمليا.

- إقامة هيئة عابرة للأوطان أقرب إلى نموذج “البابا المسلم”، على النمط الذي يعكسه “الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين” على سبيل المثال، وهو حل خطير ولا يمكن أن ينافس في الحقيقة عولمة “القاعدة” و”داعش”.

- الإصلاحية الوطنية أو الوطنية الإصلاحية، أي العودة إلى البدايات، وإلى جهود المصلحين الفكريين الذين حاولوا التوفيق بين الدين والدولة الوطنية، وتطوير هذه الجهود. وهذا ما يجب أن نسعى إليه.

باحث تونسي

ورقة بحثية ألقيت ضمن فعاليات الدور ة 20 لمؤتمر مركز الإمارات للدراسات

12