العام العراقي الجديد تيتي تيتي

الأحد 2016/01/03

دخل السيد حيدر العبادي مكتب رئيس وزراء العراق خلفا لسلفه ورئيس حزبه نوري المالكي في 8 يناير 2014. يعني أنه قطع عامين واثنين وعشرين يوما، بالتمام والكمال، من أعمار العراقيين الذين صفقوا وهتفوا وتفاءلوا وبنوا عمارات شاهقة في الهواء الطلق معتقدين بأنه سيخرج لهم الزير من البير، ويقطع رؤوس الأفاعي التي لوثت ماءهم، وأفسدت هواءهم، وسرقت غذاءهم، ويسوق بعصاه الغليظة التي باركتها المرجعية والمتظاهرون وأميركا جميع اللصوص والانتهازيين واللاعبين بالبيضة والحجر إلى ساحات القضاء، كما فعل الزعيم عبدالكريم قاسم في 1959 بالمقاومة الشعبية التي ارتكبت مجازر الموصل وكركوك وبغداد، وكما فعل عبدالسلام عارف في 18 نوفمبر 1963 بالحرس القومي الذي عبث بالدولة وبأمن المواطنين وكراماتهم وحرياتهم، أو أن يعيد العراق، كل العراق، إلى أيام الملك فيصل الأول، أو زمن عبدالرحمن محمد عارف، وطنا آمنا هادئا هانئا لا يسجن فيه أحد لأساب سياسية، ولا يهمّش مواطن بسبب عدم انتمائه لحزب الدعوة أو المجلس الأعلى أو التيار الصدري أو الحزب الديمقراطي الكردستاني أو الاتحاد الوطني الكردستاني أو بدر أو العصائب أو حزب الله العراقي أو جماعة صالح المطلق أو أسامة النجيفي أو خميس الخنجر أو حاتم علي السليمان.

وما عدا القليلين المنخرطين في دولة (الشراكة) التحاصصية فإن العراقيين الملوّعين المحترقة قلوبهم على الوطن، وهم بالملايين لم يبق لديهم صبر على الفساد والمفسدين، هللوا وزمروا لولادة الزعيم العراقي (الحوك) المنتظر.

ورغم أن الذين يعرفونه جيدا، وعن كثب، ومن أيام الصغر واللعب في (درابين) الكرادة، يؤكدون أنه (خوش ولد). إلا أن الأرض الموحلة التي يسير عليها، والمياه الآسنة التي تحاصره وتتسلل إلى غرفة نومه لم تبق له أملا في إثبات أنه خوش ولد. بعبارة أخرى. لقد أنقض العراقيون والإيرانيون والأميركان ظَهر الرجل، وحمَّلوه أكثر من وسعه، وأيقظوا عليه التماسيح والذئاب والأفاعي، صغارها وكبارها، وتركوه بينها وحده، في حيص بيص.

عامان وثمانية وعشرون يوما من أعمار العراقيين، شيعة وسنة، وأكرادا وعربا، مسلمين ومسيحيين، أحرقها السيد حيدر العبادي بالوعود والعهود والبيانات والتصريحات، وكان كلُ يوم بسنة.

لم يستل سيفه على غير السمك الصغير، وعلى غير وِلْد الخايبة المرتشين المغفلين الذين اكتفوا ببضع (ربطات) قليلة فقط من الدنانير، وأغمض عينيه الاثنتين عن الحيتان الكبيرة، وهي أمام وزاراته ومؤسساته وأمنه ودفاعه ومخابراته، تصول وتجول، وتأكل ما لله وما لقيصر، علنا وعلى رؤوس الأشهاد، دون خوف ولا حياء. والحجة أن عين السيد الرئيس بصيرة ويده قصيرة.

تجرأ مرة فأعلن أن (القائد الضرورة) لم يترك له في خزينة الدولة سوى ثلاثة مليارات وديونا بخمسة عشر مليارا من الدولارات. ويا ليته ثبت على فلتة لسانه تلك، ودافع عنها، وأصر عليها، ليداعب بها أحلام الجماهير. فقد لحس تصريحه بعد ساعات، معتذرا، زاعما بأنه لم يقصد نوري المالكي بل صدام حسين. حتى وهو في قبره المجهول.

في عامين وثمانية وعشرين يوما لم يتغير شيء. كل شيء على وضعه الكوميدي الممل. فنوري المالكي ما زال نائبا لرئيس الجمهورية، وإبراهيم الجعفري وزيرا للخارجية، وهوشيار زيباري وزيرا للمالية، ومدير مكتب هادي العامري وزيرا للداخلية.

ونسي سعدون الدليمي وأحمد المالكي. وأغمض عينه اليمنى، ثم عينه اليسرى عن صهريْ رئيسه نوري المالكي وهما يستلمان راتبين في آن واحد. فالنائب عن دولة القانون عن محافظة كربلاء ياسر عبد صخيل المالكي والنائب عن دولة القانون حسين المالكي يستلمان راتبين، الأول كأفراد حماية نوري المالكي، والراتب الآخر كنائبين في البرلمان، رغم أنه يراهما يرافقان المالكي في زياراته لإيران ولبنان وبلدان أخرى، فضلا عن زياراته الداخلية الصاخبة في المحافظات، غير آبهيْن بصفتهما كنواب عن محافظة كربلاء ولم يشاركا إلا في جلسة أو جلستين من جلسات مجلس النواب.

وباقر صولاغ، من وزير إسكان إلى وزير داخلية ثم مالية، ونقل، ويعلن على التلفزيون أن منع طائرات الخطوط الجوية العراقية من الهبوط في أوروبا أمر لا يستحق الزعل الجماهيري، لأن طائرات خطوط دول أخرى، كالصومال ونيجيريا وليبيا وسوريا ممنوعة من الهبوط في أوروبا أيضا.

وما زال نفط العراق يباع على الأرصفة، من وراء ظهر الدولة وزعيمها ورئيس وزرائها.

خزينة العراق خاوية، والقليل المتبقي من دولاراتها ينفق، بلا وجع قلب، وبلا عقل ولا روية على سفرات السيد الرئيس وأسرته وحماياته وابنته المدللة. وحين تطالب الجماهير المتظاهرة، كل يوم جمعة، بالكهرباء والدواء والغذاء والماء والهواء لا أحد يكتب ولا يقرأ ولا يستمع.

لا خير في وطن يكون السيف عند جبانـه والمـال عنـد بخيلـه

والرأي عند طريده والعلـم عـند غريبه والحكـم عنـد دخيلـه

وقـد استبـدّ قليـلـه بكثـيرهِ ظلـمـاً وذَلّ كثـيــــرُه لقليـلـه.

العام الجديد أطل، وسيمر كما مر الذي قبله، وسنحتفل بمقدم العام القادم 2017 وخيمُ المهجّرين تتوالد وتتكاثر، والفلولُ الداعشية، بخناجرها ومفخخاتها، توزعت على أسواقنا ومدارسنا وغرف نومنا، ونبقى نناشد إخوتنا وأصدقاءنا أن يمدوا لنا أيديهم وأرجلهم لحربها، ونفطنا لا يكفي لدفع رواتب المجاهدين الذين امتهنوا الدفاع عن السيادة والشرف الرفيع.

ومبروك علينا أعيادنا وأيامنا السعيدة. وكل عام والسيد الرئيس بألف خير.

كاتب عراقي

4