العام الفني في سوريا.. انتصار ثقافة الهامش

الخميس 2013/12/26
فيلم \"قماش على مواد مختلفة\" للماغوط في مهرجان \"كان\" لهذا العام

أوجدت هذه الأصوات لنفسها منابر جديدة، لتقدم صوتا مغايرا يكسر مركزية المؤسسة- السلطة، بل حتى يثور عليها، مقدمة مفاهيم جديدة، تعيد تقييم الذائقة الفنية لدى المتلقي، وتقدم خطابا جديدا، هامشيا يمتلك حضورا متفردا بذاته، لا يخضع للتقييمات التقليدية، ويستجدي معايير جديدة تتناسب مع المرحلة الراهنة. لذلك قامت صحيفة “العرب” بمسح لأهم الظواهر الثقافية التي أنتجها الحراك في سوريا، واعتمدت على آراء وتجارب الذين شاركوا فيها، في محاولة لمقاربة هذه الظواهر التي أنتجها الحراك.

ساعدت التكنولوجيا الجديدة ومنصات النشر الرقمية وأساليب الاتصال إلى انفتاح الفضاء أمام الفنان/ المبدع لينشر نتاجه، بحيث لم يعد النشر أو الوصول إلى الجماهيرية حكرا على وسائط السلطة ومنصاتها، فاستعيض عن المسرح بالشارع، وعن السينما بالعروض الخاصة وقنوات الأنترنت، وقد لاقت هذه التجارب رواجا، وتقديرا على الصعيدين الشعبي والدولي.

لم تعد الأفلام التسجيلية والروائية حكرا على المؤسسة العامة للسينما ومخرجيها، فقد قدمت الأحداث في هذا العام مادة فيلمية غزيرة، نتج عنها العديد من الأفلام -على بساطة بعضها- وجدت لنفسها منفذا، وأصبحت تتداول على شبكة الأنترنت ووصل بعضها إلى مهرجانات عالمية، كتجربة المخرج السوري الشاب نضال حسن صاحب الفيلم التسجيلي “حكايات حقيقية عن الحب والحياة والموت وأحيانا الثورة” الذي صوّر داخل سوريا، وشارك في مهرجان “لوكارنو” السينمائي في سويسرا إلى جانب أربعة أفلام سورية أخرى.


السينما خارج السينما


أُدرج فيلم التحريك “قماش على مواد مختلفة” للفنان السوري جلال الماغوط ضمن برنامج الأفلام القصيرة لمهرجان “كان” السينمائي لهذا العام. ويصف الماغوط الحالة السينمائية فيقول: “عموما في ظل الوضع بسوريا، أعتقد أن الفن لدينا تعرض إلى نكوص تاريخي، وقطيعة عن أي إنجاز سابق إن وجد.

والسبب بالتأكيد هو شدة عنف المشهد، التي ولدت أيضا مشهدا فنيا عنيفا ومزدحما مليئا بالمدعين والانتهازيين. أصبح من الممكن لأي كان، أن يستعير كاميرا، ويذهب إلى الجهات الأوروبية والخليجية ويقول أنه مخرج سوري، ليكون قد قطع نصف الطريق للحصول على تمويل ما. مع كل ما يرافق الإنتاج الموجود من ابتذال في التعامل مع القضايا الإنسانية”.

هناك أساليب أخرى للتعبير البصري لجأ إليها أصحاب المشروع السينمائي، التي انتشرت على صفحات الفيسبوك واليوتوب.. كـ”الفيديو آرت” الذي قدمه الممثل الفلسطيني-السوري حسان حسان الذي استشهد مؤخرا تحت التعذيب في سجون سوريا، بالإضافة إلى تجربة الأخوين محمد وأحمد ملص بعنوان “فشة خلى”، أو حتى الذي أنتج بتمويل من مؤسسة “بدايات” كـ”الفيديو آرت” الذي قدمته مجموعة من الشباب بعنوان “بالذبح جيناكم” للتهكم على تعميق الطائفية في سوريا.

ويقول الفنان الشاب جيرار أغاباشيان أحد المشاركين في التجربة: “هذه التجربة هي محاولة للتهكم على الطائفية في سوريا، واستغلال الإعلام للأطفال في سبيل الترويج للتشدد ضدّ الإنسان والإنسانية”، ويضيف: “لن تكون هذه التجربة الأولى، بل نسعى كمجموعة لتقديم مقاربات أخرى، باستخدام أساليب تعبير مختلفة وتوظيف التقنيات المتعددة”.

عموما في ظل الوضع بسوريا، أعتقد أن الفن لدينا تعرض إلى نكوص تاريخي، وقطيعة عن أي إنجاز سابق إن وجد


سرد مضاد


ظهرت أساليب سردية جديدة، تجاوزت الأشكال التقليدية قائمة على تفكك الحبكة وتعدد مستويات السرد، وقد شهد هذا العام تناقضا نوعيا في المواضيع فالبعض استثمر الثورة في سوريا وجعلها حبكة لروايته مثل “طبول الحب- مها حسن” أو “نازك خاتم- لينا هويان الحسن”، في حين أن كاتبين من داخل سوريا لم يتحدثا عن الثورة أو يشيرا إليها مثل الكاتب الشاب “مناف زيتون” صاحب رواية “القليل من الموت” الذي يعلق على هذا الموضوع: “الكتابة عن سوريا كموضوع رئيسي لرواية أو أي كان الجنس الأدبي لا يبدو مثيرا للاهتمام، معظم ما كتب حتى الآن موجه لفريق سياسي دون الآخر مخاطبا حماسته واحتقانه، والبعض يستخدم الموضوع بهدف تسويقي -باعتقادي- أكثر منه إبداعي”. ويضيف الروائي الشاب الذي اضطرّ إلى نشر روايته في لبنان -دار هاشيت أنطوان-: “العمل عُرض على الكثير من دور النشر السورية، لكن الفترة كانت لا تبشر بمستقبل لطيف في البلاد، الأمر الذي أدّى إلى رفضها من عدة دور نشر كانت تنوي عدم إطلاق كتب جديدة تخوفا من المستقبل الغامض الذي ينتظر البلاد -وفقا لما قالوه-”، في الوقت ذاته أصدر الروائي خالد خليفة الحائز على جائزة نجيب محفوظ للأدب طبعتين مختلفتين عن روايته الجديدة “لا سكاكين في مطابخ هذه المدينة” إحداها في مصر والأخرى في لبنان ولم يلجأ إلى دور نشر داخل سوريا ويعلق على ذلك: “كتبي منذ الآن ستكون بشكل دائم في طبعتين؛ طبعة مصرية العين وطبعة لبنانية”.

16