العاهل المغربي يبدأ جولة إلى أربع دول أفريقية بزيارة رسمية إلى مالي

الأربعاء 2014/02/19
الترحاب بالملك محمد السادس في قلب حياة الماليين في باماكو

باماكو – تعكس الجولة التي تحمل العاهل المغربي الملك محمد السادس إلى عدد من الدول الأفريقية، والتي بدأها أمس بزيارة جمهورية مالي، مكانة الأولويّة التي تضعها المملكة لأفريقيا في اهتماماتها الدبلوماسية والدولية. وكثيرا ما أكّدت الرباط أنّ سياستها الخارجيّة الأفريقية تستند إلى مبدأين أساسيين وهما: هويّتها والتزامها المطلق حيال القارة السمراء التي تنتمي إليها.

بدأ الملك محمد السادس أمس زيارة رسمية إلى مالي بدعوة من الرئيس إبراهيم بوبكر كايتا. وتجسّد هذه الزيارة، التي تأتي بعد نحو خمسة أشهر من زيارة سابقة قام بها الملك إلى باماكو، الحرص القوي للمغرب على أن يظل وفيا لالتزاماته إزاء دولة مالي التي تمرّ بمرحلة دقيقة، تتمثل بالأساس في تحقيق المصالحة الوطنية وإعادة بناء والحفاظ على سيادتها ووحدتها الترابية التي كادت تتفكّك عام 2012.

وكانت الزيارة التي قام بها الملك محمد السادس إلى باماكو، في سبتمبر الماضي، لحضور حفل تنصيب الرئيس إبراهيم بوبكر كايتا، دليلا آخر على الالتزام الملكي بإقرار السلم والأمن في مالي، وتشبث المملكة بالاستقرار الإقليمي، ومد يد المساعدة للحلفاء والشركاء في دول الجنوب على الخصوص.

ويُجمع الفاعلون في المشهد السياسي المغربي على أنّ هذه الزيارة الرسمية، التي ستقود الملك أيضا إلى كل من الكوت ديفوار وغينيا كوناكري والغابون، تأتي تكريسا للثقة القوية التي تحظى بها المملكة على الصعيدين الإقليمي والدولي.

الملك محمد السادس: المغرب لن يدخر أي جهد لدعم مالي في كل المجالات ذات الأولوية

ويرى مراقبون أنّ المملكة انخرطت بقوّة في الجهود الدولية الرامية إلى وضع حدّ للأزمة المالية، وذلك منذ اندلاعها في يناير 2012، من خلال مبادرات عدة وتحركات دبلوماسية وإنسانية، وجدت ترحيبا كبيرا لدى عموم الماليين والمنتظم الدولي على حدّ سواء.

وقد أكد الملك على ذلك، في خطابه الذي ألقاه بهذه المناسبة، حين قال “إن المغرب، المتشبث بالتعاون جنوب-جنوب، لن يدّخر أي جهد لمواكبة ودعم مالي، البلد الجار الشقيق، في المجالات الاجتماعية والاقتصادية التي تعتبرونها ذات أسبقية”. وأضاف محمد السادس أنّ المغرب سيقدّم “الدعم اللازم لبرامج بلدكم في مجال التنمية البشرية، خاصة فيما يتعلق بتكوين الأطر والبنيات التحتية الأساسية والصحية”.

وفي هذا السياق، تمّت بتعليمات ملكية، قبيل الزيارة الجديدة إلى باماكو، إقامة مستشفى ميداني مغربي في العاصمة المالية من أجل التخفيف من معاناة جموع من الماليين، بعد شهور من النزاع العسكري في شمال البلاد.

وقد استقبل هذا المستشفى، الذي أقيم بالقرب من ملعب “موديبو كيتا”، يوميا أفواجا من المواطنين الّذين استفادوا من علاجات في مختلف التخصّصات، وذلك بفضل ما يتوفر عليه من مصالح طبية عالية المستوى كقاعة للجراحة مزوّدة بقسم للإنعاش وجناح للجراحة العامّة وقسم للحالات العاجلة.

واعترافا بهذا الجهد الإنساني وشّحت السلطات المالية، مؤخرا، ضباط ومسؤولي المستشفى الميداني المغربي بأوسمة عليا، تقديرا لمهنيتهم وجهودهم من أجل صالح السكان الماليين.

وكانت المملكة المغربية من بين أوائل البلدان التي بعثت، أثناء حدة أزمة هذا البلد، مساعدات إنسانية لفائدة اللاجئين الماليين في موريتانيا والنيجر وبوركينافاسو وفي الداخل المالي، فضلا عن هذه البنية الطبية.

وتجسّد الدعم المغربي لهذا البلد أيضا في الاتفاقية الموقّعة بباماكو، تحت رئاسة الملك محمد السادس والرئيس المالي إبراهيم بوبكر كايتا، في مجال تكوين أئمة ماليين.

ويندرج هذا الاتفاق، الذي يقضي بتكوين 500 إمام مالي على مدى عدة سنوات، في إطار مساهمة المملكة في إعادة بناء مالي، وخاصّة في قطاع استراتيجي تواجه فيه تهديدات التطرف.

كما يمثل هذا الاتفاق عمق الروابط الثقافية والدينية والروحية التي تجمع بين البلدين، خاصّة وأنّهما يتقاسمان القيم السمحة للإسلام ووحدة المذهب المالكي، فضلا عن تشبثهما بقيم التسامح والانفتاح على الآخر. وتفعيلا لهذا النوع من التعاون غير المسبوق في مجال يحظى بالأهمية، شرعت مجموعة أولى تضمّ 90 شابا ماليا في تلقي تكوين بالرباط سيتوّج بتخرجهم كأئمة يقومون على مساجد بلدهم في المستقبل.

إقامة مستشفى ميداني مغربي في باماكو يشمل قاعات للجراحة والإنعاش والحالات العاجلة وكفاءات طبية المغربية

وعلى صعيد تكوين الكوادر، قرّر المغرب في 2013 الرفع إلى مائة من عدد المنح المخصصة للطلبة الماليين الذين يتابعون دراساتهم في المملكة.

وعلى الصعيد الدبلوماسي، باشر المغرب، بصفته رئيسا لمجلس الأمن خلال شهر ديسمبر 2012، حملة حقيقة من أجل تبنّي قرارات كان لها أثر فعّال في المسار الحالي لتطبيع الوضع في مالي.

كما كان للمغرب حضور قوي إلى جانب مالي، سواء خلال مؤتمر المانحين المنعقد في يناير 2013 بأديس أبابا، أو ذلك المنعقد في شهر مايو من السنة ذاتها بالعاصمة الأوروبية والبلجيكية بروكسيل.

وفضلا عن الدعم السياسي المتواصل، استمرت المملكة في الدفع بانتعاش الاقتصاد المالي، من خلال تعزيز العلاقات الثنائية في إطار شراكة “جنوب-جنوب” تكون “مربحة للطرفين”، إذ يظلّ المغرب المستثمر الأفريقي الأول في مالي، حيث تميّز حضوره بالخصوص في قطاعي الاتصالات والمصارف.

وكان العاهل المغربي قد أجرى أمس محادثات عبر الهاتف مع رئيس جمهورية بوركينافاسو بليز كومباوري بشأن التطوّرات التي تعرفها القضية المالية بالأساس، والأهداف المرتبطة بالمصالحة الوطنية والتنمية بشمال مالي، وذلك في إطار الاحترام التام للوحدة الترابية والوطنية للماليين.

الجدير بالذكر أنّ وفدا هاما يرافق الملك محمد السادس خلال هذه الزيارة، يضمّ بالخصوص مستشاريه الطيب الفاسي الفهري وفؤاد عالي الهمة ووزير الخارجية والتعاون صلاح الدين مزوار ونحو عشرة وزراء آخرين، بالإضافة إلى جمع من الفاعلين الاقتصاديين يمثلون القطاعين العام والخاص، وعدد من الشخصيات المدنية والعسكرية.

2